سؤال يتردد على الساحة الإسلامية بشكل عام والعربية بشكل خاص طيلة السنوات القليلة الماضية، والإجابة المطروحة على المسرح هي أنه استشهاد، أما خلف الكواليس فهناك آراء مختلفة، منها أنه انتحار، وهناك من يفضل الهروب وتفادي هجوم العامة فيقول إنه قتل للنفس بدون نية الانتحار المكفرة دينياً.
وهناك من يفضل عدم الخوض ويعتبرها قضية غاية في الحساسية فقط لأنها تمس الرأي العام وكل هذا يعكس في النهاية ظاهرة خطيرة للغاية وهى أن حكم العامة أصبح هو الراجح أو الغالب لأن الخاصة من أصحاب العلم و الفتوى يخافون العامة.
نحن هنا بالطبع نتناول قضية العمليات الاستشهادية التي يقوم بها أفراد من المقاومة، وربما بالتحديد المقاومة الفلسطينية، خاصة وأن ما يحدث في العراق من تفخيخ للسيارات وتفجيرات وسط التجمعات يدور حوله لغط وجدل كبيران يبعدانه تماما عن منطق المقاومة والعمليات الاستشهادية.
وفي لبنان لا تنتهج المقاومة اللبنانية هذا النهج في عملياتها وتفضل عليها التكتيك العسكري والكفاح المسلح، أما ما يتصل بعمليات انتحارية أخرى تقوم بها جماعات خارج منطقتنا العربية وتضعها تحت بند الجهاد الإسلامي فهي أيضا يشوبها غموض ولغط كبيران.
نحن لا نريد أن نطرح وجهة نظر دينية أو عقائدية في الموضوع، لكن ما نريد أن نقوله هنا بالتحديد ان تاريخ الجهاد الإسلامي من يوم نزول الوحي وحتى وقتنا هذا لم يعرف شيئاً مثل هذا، ولم تكن فيه عمليات انتحارية، وكان المجاهد الإسلامي يسعى للشهادة لكنه لا يستحضرها بمحض إرادته وبقرار منه، فهو يدخل ساحة الجهاد ليقاتل لا ليموت، فإذا مات نال الشهادة وإذا لم يمت نال شرف الجهاد الذي لا يقل كثيرا عن الشهادة.
وكان المجاهد يدخل المعركة مدجناً بسيفه ودرعه ليقي نفسه طعنات الأعداء، ولم نسمع في الجهاد الإسلامي عن مجاهد دخل فاتحا صدره للأعداء يستجدي الشهادة.
وأيضا في تاريخ المقاومة الشعبية لدى كل شعوب العالم حتى عصرنا هذا لم نسمع عن مثل هذه العمليات الاستشهادية أو الانتحارية لا عند شعوب أميركا اللاتينية ولا شرق آسيا ولا حتى في أفريقيا التي ذاقت مر العذاب والهوان من أعدائها وقاومت أشد مقاومة.
سؤالنا هنا ليس حول تحديد الماهية انتحار أم استشهاد، ولكنه سؤال عن الهدف والفائدة والجدوى من وراء هذه العمليات التي جعلت الكثيرين في كل أنحاء العالم يعتقدون أننا شعوب تعشق الموت وتكره الحياة، ولا يجب أن نلومهم على اعتقادهم هذا ونقول إنهم لا يفهمون معنى الاستشهاد ولا يحلمون بالجنة مثلنا.
و لا يعانون مثلما نعاني نحن من أعدائنا ولا يؤمنون بعدالة قضايانا وبحقنا في النضال والجهاد، هذه تفسيرات غير مقبولة لفهم موقف الآخر، فهم يقيسون ما نفعل على ما فعلته وتفعله كل شعوب العالم على مر العصور والتواريخ، بما فيها التاريخ الإسلامي نفسه الذي يعرفه جيدا الكثيرون من غير المسلمين، ولا يجدون فيه مثل هذه العمليات.
نحن لسنا ضد النضال ومقاومة العدو الصهيوني الغاشم الذي يستحق الموت فعلا وحقا، لكننا نتساءل: لماذا إهدار الروح في عمليات غير مضمونة النتائج ؟، ألا يستطيع من يفكر في القيام بمثل هذه العمليات أن يقاوم العدو بأساليب أخرى ذات نتائج كبيرة ومضمونة؟، ألا يستطيع أن يقاتل بالسلاح وبدلا من أن يقتل واحداً أو اثنين أو أكثر بقليل في عملية انتحارية يقتل العشرات وربما المئات من جنود العدو الغاشم؟.
نحن لا نناقش هنا قضية الشك في الموت شهيدا أو منتحرا، بل نناقش الجدوى والفائدة، و ما أثارنا لطرح القضية هو ما نشاهده من أفلام سينمائية تروج لهذه العمليات وكأنها تحرض شبابنا كله للإقدام عليها، ناهيك عن عرض الأفلام المسجلة لأشخاص قبل تنفيذهم لمثل هذه العمليات علينا أن نثبت للعالم أننا نحب الحياة ونناضل ضد كل من يريد أن يغتصب منا هذه الحياة، علينا على الأقل أن نتعلم من جهاد المسلمين الأوائل ومن نضال الشعوب الأخرى التي قاومت أعداءها ونالت حريتها واستقلالها.. وفي نفس الوقت نالت احترام وتقدير الشعوب الأخرى لها.. وهذا شيء مهم جداً.
elmoghazy@hotmail.com