من يدخل أولاً .. الطبال أو الزبال..؟

من البديهي أن يدخل الزبال أولاً للتنظيف ورفع الزبالة عن فريق الزمالة القادمة بفرقة الطبول.

أخيراً دخل «بلير» بيروت، بعد أن أزيحت له أكوام التفجيرات وتم تنظيف الطرق وفرش له السجاد الأحمر، ليدخل بطبوله البريطانية، وطائرة بريطانية - وقبل أن يطير «بلير» إلى المنطقة اليوم - كانت قد طارت بالأمس إلى بغداد، وكان ذلك عام 2000، لتحرق الحرث والنسل، والأخضر واليابس على ضفافي دجلة والفرات رافدي (العرب).

وكان وأيضاً وصل بعدها بقليل «بلير» إلى هناك، فقام له نفس الفريق ليفرش له نفس السجاد الأحمر، ثم عادت اليوم والطائرة نفسها طارت إلى سواحل بيروت (العرب) عام 2006، لتصب الحمم العنقودية على أطفال قانا (اليومي) في سلسلة من سلاسل كوكبة أطفال صبرا وشاتيلا (الأمسي)، فكان أيضاً الفريق نفسه في انتظاره بباقة ورد وحبة الأرز.

يقال إن بلير في وقفته ببيروت، لم يتذكر لا غزة ولاقانا ولا صبرا وشاتيلا .. وإنما بدأ حداده فقط على أرواح 11 سبتمبر، ونحن المسلمون أيضاً نقف مع بلير وقفة الحداد، لأننا مسلمون وحروف اسم ديننا ديننا الحنيف: «الإسلام» توحي بما توحي، بكل مشتقاتها ومكوناتها التي تنصب في بوتقة «السلم والسلامة» بـ : «إسلام» نبدأ يومياته «بالسلام عليكم» وننهي لياليه بـ «مع السلامة» فالسلام شعارنا والسلم شعورنا.

وذبح الأطفال والأحرار والعزل من الرجال والنساء والمرضى والشيبة والعجزة في مدارسهم ومنازلهم ومعابدهم ومستشفياتهم وأسواقهم، لا هي من ثقافتنا ولا من أخلاقياتنا، ونبينا الكريم كان نبي الرحمة بكمال الأخلاق، حيث قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، والرفق بالأرواح كان من سيرته الكريمة لكي نقتدي بها إلى قيام يوم الدين، كل ذي روح كان محترماً عنده وعند صحابته الأخيار، يصان دمه ويحفظ روحه، نعم كل الأرواح بما فيها الزواحف والحيوانات ناهيك عن الإنسان الذي وصفه الإسلام بأشرف المخلوقات.؟

«بلير» لعلك سمعت أو قرأت أو تقرأ الآن، أن نبينا الكريم (ص) كان إذا رفع الأذان وأراد المسجد فوراً من مقامه، وتفاجأ بهرة تائهة تنام على عباءته من الخلف، كان يطلب المقص ليقص رداءه، ولا يوقظ روحاً نائمة، مهما كانت هويته، أهرة أرضية أو حمامة فضائية.

نعم هكذا وجدنا ديننا وتاريخنا وتراثنا وأجدادنا .. فهل وجدتم أنتم تحت لافتات «جمعية الرفق بالحيوان» ببريطانيا وأوروبا وأميركا، نموذجاً من هكذا الرفق بالحيوان.؟ ويا ترى هل دخل موسوعة «الجينيس» أي من البشوات والبسبوسيات القرون الأفندية من قص قميصه أو فستانه من أجل هرة أو حمامة؟

صحيح أنكم تصرفون الملايين على الكلاب والقطط، والمئات منكم يموتون جوعى بين مخلفات القمامة من فضلات الكلاب والقطط، لأنهم لا تشملهم الضرائب بنظام الزكاة والفطرة، والعشرات الآخرين منكم يموتون بلا ورثه تاركين الملايين للكلاب والقطط، لكنها مشروطة ان تكون القطط قططكم والكلاب كلابكم.

وأما الإنسان وحتى الذي عاش بين ظهرانيكم بسلم وسلام وإنتاج وعطاء قروناً وقرون، تراهم عيون العنصرية وعلى رؤوسهم قرون الإرهاب لمجرد أن لونه دامق أو لأنه من أصول إسلامية أو عربية أو لأنه يصلي أو لأنه ملتح أو لأنه في مشياته نوماته ويقظاته يقول:(الله أكبر).!

ألا تؤمن أنت وهو، وكل حملة الكتب السماوية أن الله أكبر من كل شي..!؟

وأن الديانة عندنا تعني العبادة لله والسلام على عباد الله والمعيشة بين خلق الله بحب وتآلف وتآزر.. وهل الدين عندكم يعني الإرهاب؟ أذن وكيف ينسب اليوم إلى رئيسك ورئيسي مكافحي الإرهاب في العالم الرئيس الأميركي جورج بوش أنه يشعر ان الولايات المتحدة تمر بصحوة دينية ثالثة تترافق مع الصراع الدولي ضد الإرهاب.

ويعتبره مواجهة بين الخير والشر، إذ نسبت واشنطن بوست إلى بوش أنه ابلغ مجموعة من الصحافيين المحافظين، التقاهم أخيراً، انه يلاحظ انفتاحاً في الحديث عن الدين من جانب الناس الذين يلتقيهم خلال سفرياته، وانه يعتقد أن ذلك قد يكون مشابهاً لحركات دينية كبرى مرت بها الولايات المتحدة في تاريخها.

وأشار إلى أن الكثيرين من مؤيدي الرئيس الأميركي الأسبق ابراهام لنكولن كانوا متدينين رأوا الحياة على أنها خير وشر، واعتبروا العبودية شراً. وقال إن الكثير من مؤيديه لديهم نفس النظرة تجاه الأزمة الحالية. وأضاف في اللقاء الذي استمر ساعة ونصف الساعة في المكتب البيضاوي أن هناك تغيراً عن المناخ الذي كان سائداً في الخمسينات والستينات.

(يذكر أن أول صحوة دينية كبرى «مسيحية» في الولايات المتحدة كانت بين عامي 1730 و1760 والثانية بين عامي 1800 و1830)، لكن الصحوة الدينية عندنا هي نفس الصحوة الدينية عند البشرية كلها ولا أعتقد ان بلير وبوش خارجان عن أطر البشرية، ومعنى حب الخير وكره الشر، هي نفس المعنى نحبها لسبب ونكرهها لسبب ولعلكما أيضاً تكرهان الشر مثلنا لنفس السبب، وتحبان الخير مثلنا لنفس السبب، من غير أن تعرفا ما هو الخير وما هو الشر وأين يقعان أفي داخلكما أم في خارجكما.؟

بلغ نفسك ورئيسك عن أن مفهوم الداخل والخارج عندنا هو اعتناق الداخل لعقيدتنا والتسامح مع الخارج من عقائد الآخرين في عولمة ثقافية حضارية عنوانها الأمان والسلام اللذين نؤمن بهما وكانا وما زالا محاطين بعالمنا الإسلامي المسالم، فلن ترى في الأوساط الإسلامية نظاماً رسمياً يطلب معاداة كل من هو غير مسلم، كما وترى الكنائس تصطف بجوار المساجد، ليخرج منها عيسى بدينه وموسى بدينه ويتعانقان عند باب المسجد والكنيسة وليخرجا معاً نحو مجتمع حضاري إنساني ويتكاتفا معاً في سوق العمل الإنتاجي، نعم هذا هو الإسلام والعالم الإسلامي.

لو كان أمام بوش انتخاب آخر، لقلنا انه يتلاعب بمشاعر الشعب الأميركي باسم الدين ليربح الجولة الثالثة، أو يسعى تلميع صورته أمام الأميركان الشرفاء (الليبراليين) قبل أن يغادر البيت الأبيض، أو لعله فعلاً يفكر برئاسة ثالثة، وكل هذا جائز إذ ليس غريباً على إدارة أجندتها سلحفاتية وألوانها جرفائية، وكنا نفكر يوماً من يجلس على كرسي البيت الأبيض هو الأكفأ سياسة وخبرة وحنكة، وممتطي حصان الهوليوود هو الأكفأ دعابة وتمثيلاً وتضليلاً..

لكن التاريخ الأميركي اثبت لنا، أن نفس ممتطي خيول هوليوود قد توصله لعبة الكراسي إلى بوابة البيت الأبيض بانتخابات شعبية وبتفوق خارق، عندما انتهت سلسلة الرئاسة الأميركية على (ريجان) بنقله من هوليوود إلى البيت الأبيض.

وإن لم تصدق أنت ورئيسك بأننا شعوب السلم والسلام بلغة حوار الحضارات، فأدر وجهك أنت اليوم تجاه قصر الإليزيه حيث افتتاح المنتدى الأوروبي ـ المتوسطي ـ الخليجي الذي بدأ أعماله في العاصمة الفرنسية قبل يومين، وأدان الرئيس الفرنسي جاك شيراك «الطلاق» الحاصل بين الثقافات وبين الغرب والإسلام وبين الدين والعلمانية والشمال والجنوب، معتبراً أنها نزعة من نزاعات الشرق الأوسط التي تشتد وتتداخل، حتى أصبحت السبب في انعدام الاستقرار للعالم، وهي تبث في الكون أجمع نتائجها التي تهدد الاستقرار.

ودعي إلى جبهة سياسة ودبلوماسية سلامية، من جهة وإلى جبهة حضارية بحوار الحضارات وجوار الأديان من جهة ثانية، وكل ذلك لتحاشي صراع الجهل. وأطلق الرئيس الفرنسي ثلاث مبادرات لتحاشي طلاق الثقافات هي: برنامج جامعي متوسطي طموح لتبادل الطلاب الجامعيين، وإقامة تعاون في ميدان إصلاح القوانين، وأخيراً التوصل إلى ميثاق لحوار الحضارات يحدد أسس التعايش معاً في خيمة واحدة.

ونحن أيضاً ندعوكما يا بلير ويا بوش كما دعونا العالم قبل «شيراك» من منابرنا ومساجدنا وأمسياتنا ورمضانياتنا .. إلى حوار الحضارات وتنوع الثقافات، واحترام الأديان والمقدسات، وما دعوتنا إلا من واقع نحن ولدنا عليه بالفطرة فهي القاعدة، ومن يدعو للإرهاب والقتل والتفجيرات، فهم الشواذ، والشعوب تؤخذ بقواعدها لا بشواذها، وفرق الإنقاذ ترقص دائماً رقصة الانتصار على طبول الطبالين، لا على فلول الزبالين.

كاتب إماراتي

ui@eim.ae