رغم مرور خمس سنوات على الزلزال المدمر الذي ضرب أميركا والمتمثل في هجمات 11 سبتمبر التي استهدفت نيويورك وواشنطن وأسفرت عن مقتل حوالي 3000 شخص، وقيام إدارة بوش بشن حربين ضد دولتين إسلاميتين هما أفغانستان والعراق.
وفرض سياسة «إما أن تكونوا معنا أو تكونوا مع الإرهابيين» ، إلا أن تلك الهجمات الإرهابية لم تنته بل إن خطرها آخذ في الاستفحال كما أن زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن مازال طليقا حرا، الأمر الذي يؤكد فشل استراتيجية المحافظين الجدد في أميركا المتمثلة في الحروب الوقائية، التي جلبت الدمار علي الشعبين العراقي والأفغاني وحتى الشعب الأميركي نفسه الذي يروعه صور أبنائه الذين يقتلون بصورة شبه يومية في العراق وأفغانستان.
فكل العالم وقف غداة 11 سبتمبر صفا واحدا وراء الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، إلا ان هذا الإجماع تبخر بعد خمس سنوات وأصبحت السياسة الخارجية الأميركية تواجه صعوبات على كل الجبهات، تجد إدارة بوش نفسها معزولة أكثر فأكثر. وتسبب تفردها في التعاطي مع الأمور في إفقادها دعم بعض حلفائها.
فالتحالف الدولي الذي نشأ بعد 11 سبتمبر بدأ ينهار بعد قرار الحكومة الأميركية توجيه سياستها الخارجية عبر منظار الحرب على الإرهاب، الذي أدى إلى سلسلة أعمال متسرعة وعدائية.
فقد بدأ الرئيس بوش وحكومته عبر إقامة ربط بين الحرب على الإرهاب والحرب في العراق واجتياح أفغانستان بإعادة تكوين الشرق الأوسط في مجمله وقد أطلق ذلك شرارة أمور كثيرة نرى انعكاساتها الآن من ارتفاع أسعار النفط، إلى انعدام الاستقرار، وتمسك إيران ببرنامجها النووي أكثر من أي وقت مضى.
وكانت مبررات بوش لشن الحرب ضد أفغانستان هي إيواء حركة طالبان التي تحكم هناك في ذلك الوقت لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وللمئات من أنصاره، بينما كانت مبرراته لغزو العراق هي امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وتهديده جيرانه وخاصة إسرائيل وبالتالي تهديد المصالح الأميركية، إلا أنه بعد فشله في اعتقال بن لادن أو قتله وفشله في العثور على أسلحة دمار شامل حاول تبرير الحربين بسعيه لنشر الديمقراطية في الدول الإسلامية التي يصفها بالمتشددة فيما أطلق عليه «الشرق الأوسط الكبير».
ووجدت إدارة بوش في العدوان البربري الذي شنته حليفتها إسرائيل على لبنان في 12 يوليو والذي استمر 33 يوما، فرصة سانحة لتحقيق مخططها بشأن الشرق الأوسط الجديد، والذي يتم فيه القضاء على قوى المقاومة والممانعة وأبرزها سوريا وإيران وحزب الله وحركة حماس، إلا أنها تعرضت لصفعة أخرى بعد أن تعرضت إسرائيل لهزيمة قاسية على يد حزب الله.
إن جوهر مشكلة السياسة الأميركية هي إهمالها لجوهر النزاعات و الصراعات في المنطقة، واتباعها سياسات تقود إلى زعزعة الاستقرار وإفشال أي توجه لإحلال سلام شامل في المنطقة. لهذا تبدو المنطقة فوق فوهة بركان قابل للاشتعال مجددا في أية لحظة.
وبعد الانتكاسة التي منيت بها السياسة الأميركية بشأن الحرب ضد لبنان، بعد فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها من الحرب ضد لبنان وخاصة نزع سلاح حزب الله واستعادة الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، يبدو ان النتيجة الواضحة هي ان واشنطن ترفض التسليم بالهزيمة وإخفاق توجهات محاولة إخضاع لبنان بالقوة العسكرية. ويتضح ذلك في ضوء حقيقة أن العالم كله يتحدث عن الإخفاق أو الانكسار الإسرائيلي في لبنان.
يبدو من خلال التفحص والتعرف عن كثب على مسيرة الاستراتيجية الأميركية ومتابعة خطابها المنتهج، نجد ان الولايات المتحدة تأخذ باستراتيجية واحدة هي استراتيجية القرن الحادي والعشرين ألا وهي غاية الهيمنة وكما هو متعارف عليه في الدراسات الاستراتيجية إن الغاية أسمى من الهدف، اما الهدف الأميركي الآن فهو الاستمرار بالقيادة العالمية من خلال السيطرة على الوضع الحالي.
ومحاولة احتواء أية قوى تخرج خارج القيادة، إذاً الخطاب السياسي الأميركي مازال يعيش خرافة العدو الأخضر ومازال يسير في ركب العداء الحضاري للإسلام والدول العربية والتي غالبية شعوبها هويتهم إسلامية إضافة إلى عروبتهم وهويتهم القطرية.
الذي يكون توأمة للخطاب الصهيوني العالمي والذي يجد في الإسلام الحبل الذي ينشر عليه أخطاء فشله لتحقيق مصالحه الاستراتيجية، وبذلك نجد ان الولايات المتحدة فشلت في استحضار الحرب الصليبية إلى القرن الحادي والعشرين ولذلك تريد الآن بعد أن فشلت في القوة العسكرية أن تأخذ بالدبلوماسية الوقائية لتعالج أخطاءها الاستراتيجية وتحاول تكوين حرب فكرية وأن تنعت كل من يعارضها بالمتطرف وبالتالي المسير بالحرب على الإرهاب ولكن بديكور جديد ومصطلح جديد يتلاءمان مع طبيعة الظرف العالمي الجديد بعد أحداث لندن وبعد الضربات الموجعة للولايات المتحدة في العراق.
لقد قدمت الحرب بين إسرائيل وحزب الله ربما فرصة لإعادة النظر في الاستراتيجية الغربية في التعامل مع قضايا المنطقة. استراتيجية تقوم على فهم حاجة جميع الأطراف للأمن والاستقرار والرخاء، ولكن هذا ما لم يحدث حتى الآن. لكن الأمل بحدوث ذلك لم ينته بعد، مادام ان الولايات المتحدة قد اقتنعت أخيرا أنها فشلت في تجسيد أهدافها غير المعلنة باسم أكذوبة محاربة الإرهاب.
benhadnal@yahoo.fr