طال الحديث وكثر حول الملف النووي الإيراني، حتى ليكاد يكون القضية رقم واحد المطروحة أمام الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ولم تنفع لا رزمة الحوافز ولا التهديدات الأميركية، ولا قرار مجلس الأمن رقم 1696 في تليين الموقف الإيراني الذي يصر على الحق في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
وعلى الرغم من مواصلة إيران إرسال التطمينات للجيران، بشأن سلمية برنامجها النووي وإعلان البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة عدم العثور على مؤشرات ملموسة تؤكد المخاوف الغربية بشأن الطابع الحربي للبرنامج النووي الإيراني، إلا أن كل هذه التطمينات لم تهدئ من روع كافة الأطراف المعنية.
الكثير من الفرص والمهل أطلقتها الدول الغربية، بما في ذلك قرار مجلس الأمن الذي حدد الحادي والثلاثين من أغسطس الماضي، تحدتها إيران، التي أعطت رداً يرفض الموقف المسبق لتخصيب اليورانيوم كما تطلب الدول الغربية، ولكنها تعلن استعدادها للتفاوض بما في ذلك على قضية التخصيب.
الإدارة الأميركية استقبلت الرد الإيراني الذي جاء قبل نحو أسبوع من نهاية أغسطس التي حددها مجلس الأمن، استقبلت الرد بشيء من الشك، وبتهديدات واضحة من أنها ستبلور من خلال مجلس الأمن قراراً ينطوي على عقوبات بحق إيران، وفي حال الفشل فإنها ستتخذ مع من يوافقها الرأي عقوبات متدرجة تبدأ بالمسؤولين عنه والعاملين في البرنامج النووي.
غير أن حلفاءها الأوروبيين لم يفقدوا صبرهم، حيث أعلن المنسق الأعلى للسياسة الأوروبية خافير سولانا بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في فنلندا وقع في أول أيام هذا الشهر سبتمبر، أن الاتحاد سيعاود التفاوض مع إيران دون سقف زمني محدد.
من واقع الخلاف في أسلوب التعامل الدولي مع إيران بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتضح أن حجم المصالح المتبادلة للاتحاد الأوروبي مع إيران أكبر وأهم بكثير من مثيلتها مع الولايات المتحدة، مما يدعوها لعدم المجازفة والتحلي بالصبر وربما الاستعداد لزيادة الحوافز التي تقدمها لإيران مقابل معالجة هذا الملف.
بالإضافة إلى ذلك فإن ثمة فارقاً في الأسلوب يعكس فارقاً في السياسات، ففي حين تتروى دول الاتحاد الأوروبي في تعاملاتها الدولية وتقدم الحلول الدبلوماسية والسياسية على العسكرية فإن الولايات المتحدة، تتبع استراتيجية تعتمد أولوية الحلول العسكرية والعنيفة على سواها، وهو ما دأبت عليه كخط ثابت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
على خط تحديد الوسائل التي يمكن استخدامها في معالجة ملف خطر من هذا النوع تدخل عوامل أخرى، فإيران تعتبرها إسرائيل عدواً منذ قيام الثورة الإيرانية ومنذ وقت طويل وهي تحرض عليها، وتبدي استعداداً لضرب منشآتها النووية، وتعتبرها مسؤولة عن دعم ما تسميه إسرائيل إرهاب حزب الله، وعن الحرب الأخيرة ضد لبنان.
وما أن توقفت الحرب على لبنان إثر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، حتى أخذت تصدر عن إسرائيل إشارات إلى أن عليها أن تحضر نفسها وجيشها لمواجهة الخطر الإيراني. إسرائيل تجتهد كل الوقت لكي توسع دورها في المنطقة، ولأن تشكل جزءاً أصيلاً وفعالاً من التحالف الدولي الذي أنشأته الولايات المتحدة لخوض معارك الإرهاب الدولي.
وكانت إسرائيل والدول الغربية قد اتهمت إيران بأنها أشعلت حرب الجنوب بتحريض حزب الله على القيام بعملية «الوعد الصادق» التي استهدفت موقعاً إسرائيلياً عسكرياً داخل الحدود الإسرائيلية يوم الثاني عشر من يوليو الماضي، من أجل التغطية على أزمة ملفها النووي، ولإثارة عوامل إقليمية أخرى تساعدها على إدارة هذا الملف.
والواقع أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لطهران أوائل هذا الشهر أظهرت أن ثمة ميلاً مؤقتاً نحو المقايضة، بحيث يعتبر تعاون إيران الكامل في تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 1701 بشأن إسرائيل ولبنان سبباً لمزيد من المرونة الأوروبية والأميركية إزاء التعامل مع ملفها النووي.
الولايات المتحدة كانت في عام 2004، قد أعلنت أن إيران واحدة من دول محور الشر التي تستهدفها لكونها تشكل قاعدة من القواعد التي تساعد على الإرهاب وتحرض عليه، ولذلك فإنها منذ ذلك الوقت لا تدخر وسعاً في البحث عن أي وسيلة أو ذريعة لمضايقة إيران وتطويعها. وعدا عن كل هذه العوامل يبدو أن وضع إيران ودورها في الإقليم يلعب دوراً في تعمد استهدافها من ناحية، وفي إجراء حسابات معقدة إزاء كيفية التصدي لها.
فإيران دولة إسلامية راديكالية نفطية، وتتمتع بعناصر قوة داخلية لا يستهان بها، فضلاً عن أنها تعتمد نظاماً سياسياً مركباً، فبالإضافة إلى المرجعية الدينية العليا المتمثلة في مؤسسة الإمامة، فإنها تجري الانتخابات المحلية والتشريعية والرئاسية بصورة منتظمة. وبالإضافة إلى ذلك ثمة تأثير كبير لإيران ومرجعيتها الدينية على الطوائف الإسلامية الشيعية تمكنها من لعب دور فاعل وحقيقي في العراق، وفي لبنان.
وربما بعض الدول الأخرى، فضلاً عن دورها الإقليمي المؤثر تجاه الوضع في أفغانستان، ومع سوريا وحركات المقاومة الفلسطينية. وأكثر من ذلك فإن موقع إيران على الخليج العربي لطالما كان عنصراً حيوياً مهماً في مدى توفر الأمن لخطوط تجارة النفط من هذه المنطقة الحساسة، ولمنطقة الخليج العربي والجزيرة عموماً.
استناداً إلى هذا الواقع المتشابك والمعقد فإن من الصعب على دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تتخذ قرارات تتميز بالمغامرة في التعامل مع إيران.
حتى دول الخليج العربي التي يعتريها القلق الشديد إزاء تطور القدرات العسكرية الإيرانية فإنها قد لا تحبذ لجوء الولايات المتحدة والدول الغربية إلى الحرب في معالجة الملف النووي الإيراني، ذلك أن دفع إيران بالقوة إلى زوايا حرجة، من شأنه أن يتسبب في فوضى عارمة في المنطقة وإخلال كبير في أمنها واستقرارها بما يلحق بالمنطقة أضراراً بالغة ويضعها في مواجهة مخاطر كبيرة ومصيرية.
على أن القيادة الإيرانية ينبغي أن تدرك بأنها لا تستطيع الارتكان على موقفها المعادي وبالغ الحدة والجذرية من إسرائيل، والذي على ما يبدو ظاهرياً أنه للمزايدة على الدول العربية وبخاصة الخليجية للإيحاء بأن قدراتها العسكرية والمتجهة نحو تطوير برنامجها النووي إنما تهدد فقط العدو القومي للأمة العربية والأمة الإسلامية، فذلك وحده لا يكفي لتطمين دول الخليج العربي.
وإذا كانت صحيفة ال«واشنطن بوست» الأميركية قد أشارت مطلع هذا الشهر إلى أنه سيكون أمام إيران ثلاث إلى خمس سنوات حتى تتمكن من الحصول على القنبلة النووية.
وهو ما تنفي به إيران جملةً وتفصيلاً وعلى اعتبار أن برنامجها النووي سلمي، فإن على المجتمع الدولي أن يطور مواقف ومعايير عامة يجرى تطبيقها على الحالات المشابهة، فلقد تغاضت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على البرامج النووية الباكستانية والهندية، وتلوذ بصمت مطبق إزاء القدرات النووية الإسرائيلية التي يتجاوز مخزونها المئتي رأس نووي.
إن استمرار مطالبة الغرب بتوحيد المعايير والسلوك أمر لا يكفي، وفي كل يوم ندرك بأن الولايات المتحدة لا تخجل من اعتماد معايير مزدوجة خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصالحها أو بالصراع العربي الإسرائيلي، والواقع أن الإدارة الأميركية ما كانت لتأخذ هذا الموقف الحاد من البرنامج النووي الإيراني، أو البرنامج النووي لأي دولة، لو كانت هذه الدولة مستعدة لأن تعمل بإخلاص في إطار الاستراتيجية الأميركية كما هو حاصل مع الباكستان مثلاً.
عندما أجرت الباكستان تجربتها النووية، طبل البعض وزمر بشأن أهمية القنبلة النووية الإسلامية، لكن تلك الزوبعة ما لبثت أن هدأت بعد أن انحازت باكستان كلياً إلى جانب الولايات المتحدة وحلفها في الغرب على أفغانستان وضد الإرهاب.
وبالرغم من ذلك لابد من فحص أبعاد ومدى خطورة البرنامج النووي الإيراني من خلال اقتراحين: الأول يقول إن الرسالة التطمينية الأهم التي يمكن أن تصدر عن إيران لدول الخليج تكمن في الانسحاب من الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، التي جرى احتلالها إبان حكم الشاة.
أما الاقتراح الثاني فيتصل بالتخلص من البرنامج النووي الإيراني بجهد دولي ملموس، للتخلص من الترسانة النووية الإسرائيلية، وكل ذلك تحت مطلب رفعته دول المنطقة في أوقات سابقة وهو نحو شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.
كاتب فلسطيني