يثور جدل واسع حول إنشاء قاعدة بحرية عسكرية روسية كبيرة في ميناء طرطوس السوري، هذا الجدل المصحوب بقلق وتوتر في واشنطن وتل أبيب اللتان فضلتا الصمت والعودة لموسكو لطلب التوضيح حول مدى صحة هذه الأخبار التي نشرتها صحيفة كوميرسانت الروسية المستقلة، وهي نفس الصحيفة التي نشرت من قبل عن صفقة الصواريخ الروسية لسوريا والتي اعترضت عليها واشنطن وتل أبيب.
الأخبار التي نشرتها الصحيفة سواء عن صفقة الأسلحة في العام الماضي أو عن القاعدة البحرية في ميناء طرطوس لم تنفها الجهات الرسمية في موسكو أو في سوريا ولم تعلق عليها، وقد أشارت الصحيفة في الخبر إلى مصدر رسمي روسي هو مستشار السفارة الروسية في دمشق فلاديمير زيمين الذي قال إن العمل بدأ فعلا في تعميق وتوسيع ميناء طرطوس السوري استعدادا لاستقبال السفن الحربية الروسية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في هيئة أركان حرب القوات البحرية الروسية لم تعلن عن اسمه أنه قال «إن إنشاء قاعدة عسكرية بحرية كاملة لروسيا في ميناء طرطوس السوري سوف يساعد على توفير مكان استراتيجي للأسطول الروسي المزمع سحبه من ميناء سيفاستوبل الواقع على البحر الأسود في منطقة شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا».
وكانت وزارة الدفاع الروسية قد أعلنت أنها تقوم بتجهيز مراسي جديدة لسفنها الحربية التي سيتم سحبها من ميناء سيفاستوبل، لكن وزارة الدفاع لم تحدد مكان هذه المراسي الجديدة،.
بينما صرحت جهات أخرى رسمية في موسكو أن شركات روسية تقوم بأعمال تعميق وتوسيع لميناء طرطوس السوري حتى يتمكن من استقبال السفن الكبيرة، ودمشق لم تؤكد ولم تنف هذه الأخبار، وصرحت الخارجية السورية بأن بين دمشق وموسكو اتفاقات تعاون عسكري قديمة ما زالت سارية.
وأن ميناء طرطوس يستقبل السفن الحربية الروسية منذ سنوات السبعينات . حسب اتفاق السبعينات بين الاتحاد السوفييتي و سوريا فإن ميناء طرطوس كان مجرد محطة مؤقتة ترسو فيها بعض السفن والبوارج الحربية الصغيرة للصيانة والتموين، ولم يكن قاعدة عسكرية كاملة ولا مؤهلا لاستقبال سفن من الحجم الكبير.
وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف رد على أسئلة الصحافيين حول خبر القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس السوري قائلا «لا تعليق لدي على أشياء من اختلاق الصحافة، وكل ما أقوله أن الأسطول الروسي إذا رحل من ميناء سيفاستوبل فسوف يجد له مكانا في ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود»، علقت صحيفة نيزافيسمايا الروسية المستقلة على كلام وزير الدفاع تقول «إن تعليق إيفانوف أثار الشكوك أكثر لأنه سبق أن صرح في العام الماضي بأن ميناء نوفوروسيسك لا يصلح لاستقبال أسطول البحر الأسود» وقالت الصحيفة «روسيا تسعى بجدية لإنشاء قاعدة بحرية في سوريا لأنها تسعى لنقل أسلحتها الإستراتيجية خارج حدودها وزرعها على أراض في المناطق الساخنة من العالم مثلما كان يفعل الاتحاد السوفييتي.
ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك لأنها ملتزمة دوليا ومع واشنطن باتفاقات تمنعها من نشر هذه الأسلحة خارج أراضيها، والشكل القانوني الوحيد للتحايل على هذه الاتفاقات هو وجود قواعد عسكرية روسية في الخارج لاستقبال هذه الأسلحة مثلما تفعل واشنطن، كما أن وجود هذه القاعدة في سوريا سوف يخفف الضغوط الأميركية على دمشق خشية الصدام مع موسكو».
واشنطن وتل أبيب مازالا في انتظار توضيح محدد وصريح من موسكو حول مدى صحة هذه الأخبار، وإن كانتا على ثقة ويقين من أن العلاقات بين موسكو ودمشق تنمو بشكل ملحوظ، وخاصة بعد قرار موسكو بشطب الديون الروسية على سوريا والبالغة أكثر من عشرة مليارات من الدولارات، وأيضا الاستثمارات الكبيرة التي ستوجهها روسيا في مشاريع حيوية واستراتيجية في سوريا، والتي تم الاتفاق عليها أثناء زيارة الرئيس بشار الأسد لموسكو في يناير من العام الماضي، ودعم روسيا القوي لسوريا في مجلس الأمن الدولي بعد اغتيال رفيق الحريري،.
وهناك تصريحات سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي أعتبر فيها أن أي اعتداء عسكري من قبل إسرائيل أو أميركا على سوريا تعتبره موسكو تجاوزا للخطوط الحمراء، وأفاد المسؤول الروسي أن موسكو أبلغت واشنطن بذلك رسميا، وأن أي مواجهة عسكرية مع سوريا سوف تعقد الأمور في الشرق الأوسط وسوف تفتح مواجهات أخرى تهدد السلم والأمن العالمي، خاصة وأن المنطقة على برميل من البارود بسبب ما يجرى في العراق.
إسرائيل قلقة للغاية من نمو العلاقة بين موسكو ودمشق ، وقلقة أكثر من صمت واشنطن تجاه هذه العلاقة التي تشكل خطرا مباشرا على أمن إسرائيل القومي .
الإسرائيليون لا ينسون حديث الرئيس الروسي بوتين للتليفزيون الإسرائيلي قبل جولته في الشرق الأوسط التي زار فيها مصر وإسرائيل وفلسطين، عندما سئل عن صفقة الصواريخ الروسية لسوريا، قال بوتين «من الآن فصاعدا لن تتمكن الطائرات الإسرائيلية من التحليق فوق قصر الرئيس السوري»،.
وكتبت الصحف الإسرائيلية تعلق على خبر القاعدة الروسية في ميناء طرطوس السوري تقول «إن الخطير في أمر القاعدة الروسية في سوريا أن روسيا ستضع في هذه القاعدة أسلحتها الإستراتيجية المحرم بيعها دوليا، وخاصة أنظمة صواريخ (إس - 003 ) التي سبق أن اتفقت واشنطن مع موسكو على عدم بيعها لأي دولة أجنبية، لكن واشنطن لا تستطيع أن تمنع روسيا من وضع هذه الصواريخ في قواعدها العسكرية سواء على أراضيها أو خارج حدودها» .
لا شك أن القاعدة العسكرية الروسية في سوريا تشكل أهمية كبيرة لروسيا، لأنها ستكون أول تواجد عسكري مستمر لروسيا خارج أراضي الاتحاد السوفييتي السابق ، كما أنها ستكون في المنطقة الأكثر سخونة وتأزما في العالم، وهي الشرق الأوسط ، وأيضا ستعطي القاعدة مصداقية كبيرة لروسيا على الساحة الدولية لأنها تعني بشكل مباشر أن روسيا جادة وحريصة على حماية أمن حلفائها أو أصدقائها، كما تعني أيضا بداية تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط ، وربما في العالم كله لو وافقت دول أخرى على استضافة قواعد روسية على أراضيها.
جامعة سيبيريا ـ روسيا