البعض منّا يقع أحياناً أسيراً للمصطلحات الغامضة وغير المدققة أو المضبوطة.. يحدث هذا وينتشر بصورة واضحة في ظل تنامي منابر الكتابة والتعبير خصوصاً في الصحف والفضائيات، ومؤخراً في المواقع الالكترونية والمدوّنات.
من بين المصطلحات والعبارات التي راجت كثيراً في السنوات الأخيرة مقولة «انهيار النظام الرسمي العربي».. هي عبارة أو مقولة نرددها كثيراً ونلوكها أكثر خصوصاً عند كل أزمة أو كارثة عربية تحل بنا، وما أكثر الكوارث التي نعيشها خصوصاً منذ عام 1990.
الذين يرددون مقولة «انهيار النظام العربي» يتصورون بحسن نيّة مرة أخرى أن غالبية الأنظمة العربية حريصة على العمل العربي المشترك، وبالتالي فعند أي كارثة يعتقدون أن هذا النظام الرسمي قد انهار أو تعرض لضربة قاصمة قد لا يقوم بعدها أبداً.
حدث هذا عقب كارثة غزو الكويت عام 1990 ثم التدخل الأميركي ـ الغربي في المنطقة، ونسي هؤلاء أن النظام الرسمي العربي أو لنقل معظم دوله الفاعلة كان شريكاً في عدم الحرص على حل عربي للأزمة. ثم إن النظام العربي الرسمي كان شريكاً فاعلاً في حصار العراق طوال 13 عاماً.
وعندما تم توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وقبلها مفاوضات مدريد، قلنا إن النظام الرسمي انتهى وإن هذه الاتفاقيات مقدمة لتوسع وهيمنة إسرائيلية في المنطقة، ونسينا مرة أخرى أن كل ما تم كان بمباركة غالبية البلدان العربية.
بعد أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة اصطف غالبية العرب الرسميين فيما سُمِّي بالحرب الأميركية على الإرهاب، بدءاً من غزو أفغانستان مروراً بالاستجابة لكل المطالب الأميركية المجحفة والتي وصلت إلى حد التعذيب بالوكالة عن المخابرات المركزية، والتغاضي عن فظائع غوانتانامو.
في مارس 2003، وعندما غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق، تحدث غالبيتنا عن أن النظام الرسمي العربي قد انتهى تماماً، ومرة أخرى تناسينا أن هذا الغزو ما كان ليتم لولا المشاركة العربية الفاعلة فيه.
في الملف الفلسطيني ورغم المبادرة العربية التي أنتجتها قمة بيروت عام 2002، التزم العرب الرسميون الصمت وهم يرون شارون يرد على مبادرتهم بعد 24 ساعة فقط من إعلانها باجتياح الضفة وسائر فلسطين وحشر السلطة الفلسطينية داخل غرفة في مقر المقاطعة برام الله، ومات ياسر عرفات مسموماً أو كمداً ويأساً من النظام العربي الرسمي الذي راهن عليه الرجل طويلاً، وجاء محمود عباس مراهناً على هذا النظام تارة وعلى الكرم الأميركي ـ الإسرائيلي تارة أخرى، وجميعنا يدرك كيف انتهى الرهان.
النظام الرسمي العربي أو معظمه على الأقل كان شريكاً فاعلاً في الحصار الإسرائيلي ـ الأميركي ـ الغربي لحكومة فلسطينية منتخبة، ومتفرجاً على المجازر الإسرائيلية التي لا تتوقف ضد الفلسطينيين.
في العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان لا يحتاج الأمر إلى مزيد من شرح عن دور بعض العرب الرسميين في تدمير بلد كان يُفترض أن يهب هذا النظام الرسمي لإنقاذه طبقاً لاتفاقيات الدفاع المشترك وصلة الدم واللغة والدين.
الفكرة التي لا يريد كثيرون تصديقها أن النظام الرسمي العربي لم يمت، لكنه ببساطة يعمل في اتجاه عكس ما ينبغي أن يعمل، هو ينفذ معظم ما يُطلب منه أميركياً وتالياً إسرائيلياً، هو ينفذ أي شيء طالما كان هذا الشيء يطيل من عمره، وعمر بقائه على الكرسي الوثير.
هذا النظام الرسمي لا يضعف، بل يزداد توحُّشاً وجبروتاً في ظل رأي عام غير فاعل، و«معارضات» هشَّة وأحياناً متواطئة، ونُخب خانت ضمائرها أو فضَّلت الصمت، وشعب في غالبيته مغلوب على أمره، ومشغول بلقمة عيشه.