أقر وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم الأخير الذي عقد في القاهرة تقديم اقتراح إلى رئاسة مجلس الأمن الدولي والأمانة العامة للأمم المتحدة بانعقاد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط وبدء مفاوضات تنتهي خلال عام واحد تهدف للوصول إلى سلام شامل بين العرب وإسرائيل بإشراف مجلس الأمن وإعادة النزاع العربي الإسرائيلي إليه ليمارس مسؤولياته وليساعد الأطراف المعنية على الوصول لحل شامل، ويرافق الاقتراح إجراءات تنفيذية وتفصيلات وخارطة طريق تتعلق بآلية العمل.

صار واضحاً أن أية مقترحات عربية إنما تعتمد بالدرجة الأولى على المبادرة التي أقرت في بيروت 2002 وخلاصتها أن يكون أساس المفاوضات تطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، أي أن تعيد إسرائيل الأرض التي احتلتها عام 1967 إلى العرب في مقابل أن تنتهي حالة الحرب ويعترف العرب بإسرائيل ويعم السلام الدائم والشامل.

وتشكل هذه المبادرة التي رفضتها إسرائيل ولم تهتم بها أساس الإستراتيجية العربية والموقف العربي من الحل المحتمل، وهي نفسها ستكون جوهر المقترحات العربية القادمة وما بعد القادمة سواء لجهة عقد مؤتمر السلام الدولي أم للمقترحات العربية التي ستوضع على طاولة المفاوضات إن عقد المؤتمر. وعلى أية حال هي ليست مقترحات جديدة فقد كانت خلاصة لما أقره مؤتمر مدريد 1991 الذي توصل إلى أن أساس الحل هو تنفيذ مبدأ الأرض مقابل السلام، ومازال العرب يدورون حول هذا الشعار ويذكّرون به في كل حين.

ينبغي أخذ أمرين أساسيين بعين الاعتبار تجاه المقترح العربي الجديد أولهما يتعلق بالشكل والثاني بالمضمون حيث يرتبط بهذين الأمرين مدى نجاح المبادرة العربية الجديدة ـ القديمة أو فشلها وهما:

الأمر الأول: قدرة الدول العربية (ودول العالم الأخرى) على إقناع إسرائيل والولايات المتحدة بالقبول بعقد مؤتمر دولي جديد جاد يهدف للوصول إلى السلام الشامل والعادل وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بكل مكوناته.

ويبدو أن هذا الإقناع أمر مشكوك فيه حتى الآن لأن إسرائيل ترفض مطلقاً ربط المسارات العربية كلها بعضها مع البعض الآخر والجلوس على طاولة مفاوضات مع الأطراف العربية المعنية جميعاً في آن واحد ولا تقبل إلا مفاوضات ثنائية تعقد بينها وبين كل بلد عربي لوحده، كما ترفض في الوقت نفسه وضع المفاوضات تحت إشراف مجلس الأمن لأن ذلك قد يعني اعترافها بقرارات الشرعية الدولية وترغب دائماً مشاركة طرف ثالث بدلاً عن ذلك إما كمراقب أو منسق أو تحت أي مسمى، ولنا من تجربة مدريد والاتفاقيات اللاحقة (وادي عربة، أوسلو) خير مثال.

وتصر الإستراتيجية الإسرائيلية المعلنة من قبل حكومتها ومن جميع أحزابها على الاستفراد بالدول والأطراف العربية، أما الولايات المتحدة التي عودتنا إداراتها المتتابعة دعمها الكامل للموقف الإسرائيلي، وخاصة إدارة الرئيس بوش التي تنتظر انتخابات نصفية في شهر أكتوبر المقبل تحتاج للنجاح فيها وتعتمد مما تعتمد على دعم (اللوبي) الصهيوني فمن غير المتوقع أن تقبل ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية، أما الدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن فهي عاجزة عن اتخاذ أي قرار لا ترضاه الإدارة الأميركية. ولذلك فعقد المؤتمر أمر مشكوك في حصوله من الأساس، ويحتاج تحقيقه لجهود استثنائية.

والأمر الثاني الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار يقع في المضمون، حيث ان المبادرة العربية المشار إليها حددت إطاراً عاماً للحل هو الأرض مقابل السلام، ويدخل في تفصيلات هذا الهدف العريض ألف شيطان وشيطان ويلاحظ المدقق من خلال استعراض مواقف الحكومات الإسرائيلية المتتابعة منذ عدوان يونيو 1967 حتى الآن أن إسرائيل ترفض العودة لخطوط عام 1948 ولا بأية حال، وتعتبر أنه من المستحيل إزالة المستوطنات، أو القبول بعودة اللاجئين، أو التخلي عن المياه الجوفية في فلسطين والسطحية في الجولان.

وقد شهدنا مثلاً في مفاوضات أوسلو ومابعدها في المفاوضات التي رعاها الرئيس كلينتون أن الحكومة الإسرائيلية رفضت مطلقاً التخلي عن المستوطنات الأساسية خاصة وأنها بنيت فوق مناطق المياه الجوفية في الضفة الغربية وكل ما عرضه إيهود باراك في حينه (عام 2000) هو إعطاء الفلسطينيين بعض الأراضي الصحراوية بدلاً عنها، ولنتذكر أيضاً أن القدس أصبحت القدس الكبرى التي تشمل مناطق استيطانية واسعة وكل ما يمكن أن تعرضه إسرائيل هو إعادة الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية.

وبعض الأحياء العربية في القدس الشرقية فقط، إضافة لطريق يوصل إليها مسور بالمستعمرات من كل جانب، وكان الأهم بالنسبة لإسرائيل في المحادثات مع سوريا مستقبل المياه السطحية فضلاً عن المياه الجوفية في الجولان وجبل الشيخ ومصباتها في وادي الأردن، بديهي أن عودة اللاجئين لداخل الخط الأخضر هو أمر شبه مستحيل وحتى عودتهم إلى الدولة الفلسطينية العتيدة لابد أن يخضع للرقابة الإسرائيلية ومادام الأمر كذلك فماذا سيناقش المؤتمر إذن؟

ينبغي أن نتذكر أن نتائج المفاوضات إنما ترتبط بتوازن القوى الواقعي، وفي ضوء توازن القوى الحالي الإقليمي والدولي، العربي والإسرائيلي، فمن يستطيع إجبار إسرائيل على قبول عقد مؤتمر دولي للسلام بإشراف مجلس الأمن وإعادة الحقوق العربية لأصحابها؟ ولأن هذا التوازن مختل فستكون نتائج المؤتمر ـ إن عقد ـ مختلة أيضاً ولصالح الطرف الأقوى.

إن إعادة االقضية إلى مجلس الأمن وطرح الصراع بشموليته هو قرار هام اتخذه وزراء الخارجية العرب، ولكن تحقيق نتائج إيجابية يقتضي قبل ذلك أن يعمل العرب على إعادة التوازن (ولو جزئياً) لميزان القوى، من خلال دراسة ما سيقبلونه وما سيرفضونه.

واستخدام الإمكانيات السياسية والاقتصادية التي يملكونها وعلاقاتهم الدولية قبل عرض اقتراحهم وأن يخوضوا معركة حقيقية توصلهم إلى هذا المؤتمر بهدف استخلاص قرارات معقولة، أما إن بقيت المبادرة بعموميتها وبقي عدم الاكتراث بتجميع الإمكانيات وإهمال الضغوط على دول العالم والاتصالات معها والاستعداد الجدي والمسؤول لحمل المبادرة، فمن المتوقع ألا يقر مجلس الأمن عقد المؤتمر وإن أقر ألا يصل إلى نتائج عادلة.

إن المسألة لا ترتبط بقناعتنا بحقوقنا وحسن نوايانا، ولا بعشرات القرارات المتراكمة التي اتخذها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا باستسهال الهروب للأمام، وإنما بمدى تحقيقنا لتوازن جديد يساهم في عقد المؤتمر وفي عدالة نتائجه.

كاتب سوري