ينشغل الوسط السياسي العراقي في هذه الأيام بالحديث عن الفيدرالية بين مؤيد ومعارض، ويتوزع المعارضون لها في مجموعتين: الأولى ترفض الفيدرالية نفسها كمبدأ في حين ترفض المجموعة الثانية طرحها في الوقت الحاضر طالبة التريث والتأجيل لدورة نيابية واحدة أو أكثر. وقد تقدم بطلب تفعيل البند الخاص بالفيدرالية الوارد في الدستور الدائم مجموعة من النواب من كتلة الائتلاف العراقي الموحد بزعامة عبد العزيز الحكيم.

وقد تم تقديم الطلب في هذا الوقت بالذات وذلك لأن المادة (118) الواردة في الفصل الأول من الباب الخامس من الدستور الدائم، الخاص بسلطات الأقاليم، تنص على «يَسن مجلس النواب في مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تأريخ أول جلسة له، قانوناً يحدد الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم بالأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين».

ومن المعروف أن الدستور الدائم قد أقُر من قبل الجمعية الوطنية المنحلة وباستفتاء مباشر من قبل الشعب ابان الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور إبراهيم الجعفري، ورغم ما شاب عملية الاستفتاء المشار إليها من طعونات من قبل بعض الأطراف السياسية.

إلا أن الدستور قد قُبل في نهاية المطاف على أن يتم إعادة النظر ببعض مواده المثيرة للجدل من قبل المجلس النيابي الذي سينتخب (المجلس النيابي الحالي)، ومن بين هذه المواد ما يتصل بالفيدرالية.

وقد ورد ذلك في مادة خاصة أضيفت إلى الدستور ( المادة 142) والتي نصت في فقرتها الأولى على «يُشكّل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مَهمتها تقديم تقرير إلى مجلس النواب، خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور.

وتُحلّ اللجنة بعد البت في مقترحاتها». وهكذا نرى بأن المادة 142 قد وضعت استحقاقاً زمنياً يسبق الاستحقاق الزمني الذي ورد في المادة 118.

وقد ترافق مع طلب تفعيل البند الخاص بالفيدرالية موقفان جديران بالملاحظة: الأول مشروع تقدمت به الأمم المتحدة لتأجيل النظر بهذا الموضوع لمدة عام واحد وذلك للحفاظ على حماس المصالحة وتقدمها، وقد حظي هذا المشروع بمباركة الإدارة الأميركية حسبما نشرت صحيفة الصباح البغدادية في الثاني عشر من سبتمبر الجاري.

أما الموقف الثاني فيتمثل في دعوة عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية إلى ضرورة الابتعاد في هذه المرحلة الحساسة من تأريخ العراق عن كل ما من شأنه تعقيد الأوضاع، خاصة وان هنالك جهوداً حثيثة يشهدها الشارع العراقي لرأب التصدع في البنية السياسية والاجتماعية للشعب العراقي.

لا شك أن النظام الفيدرالي هو أحد أنظمة الحكم المتقدمة التي انتهجتها العديد من الدول المتقدمة في العالم، وقد أفرزت تطبيقاتها الكثير من النواحي الإيجابية، فهي بالدرجة الأولى مظلة تنتعش في ظلالها الممارسات الديمقراطية وتتسع في أجوائها رقعة الحريات، وهي صمام أمان ضد أي نزوع نحو الفردية التي تساعد الدولة المركزية عادة على نشوئها وتطورها.

ولكن الفيدرالية ليست وصفة جاهزة للتطبيق، فلو استعرضنا أنماط تطبيقها في دول عديدة، لوجدنا أن هنالك أنماطاً مختلفة منها، فالنمط المأخوذ به في الاتحاد السويسري وفي بلجيكا يستند إلى أسس قومية.

حيث فرضت الثقافات للقوميات المختلفة أجواءً وأعرافاً وقوانين تتناسب مع أبعاد هذه الثقافة. أما النمط المأخوذ به في الولايات المتحدة فهو يستند إلى لا مركزية إدارية وصلاحيات واسعة تتمتع بها الولايات المنضوية في الدولة الاتحادية.

هنالك الكثير جداً من التفاصيل التي ينبغي دراستها بعناية ومناقشتها بموضوعية وشفافية في أجواء خالية من التشنجات والاحتقانات التي تراكمت على مدى عشرات السنين في الساحة السياسية العراقية والتي زادت السنوات التي تلت الاحتلال من تسعيرها.

الفيدرالية في العراق لن تكون مساراً يوحد العراقيين ما لم يتم استيعاب أبعادها وما لم تكن منطلقة من روح الوحدة العراقية وما لم تكن منطلقاتها توفير المزيد من الضمانات لمستقبل العراق، وما لم يصر إلى البحث فيها في أجواء طبيعية.

وخلافاً لذلك ستكون عامل فرقة وتشرذم إذا جيء بها في ظل ظروف غير طبيعية كما هي الحال في الظروف التي يمر بها العراق.

لا يسمح الواقع العراقي، في الوقت الحاضر، بتقبل طروحات كهذه، فهي تفرق حتى بين من جمعتهم الكتل الانتخابية في خندق واحد، فكتلة الائتلاف العراقي الموحد ليست حزباً سياسياً وإنما تجمع انتخابي مكون من عدد من المنظمات السياسية يعارض بعضها مبدأ الفيدرالية بشدة.

وللإشارة فقط، دون الدخول في التفاصيل، إلى حجم المعارضة لطرح الفيدرالية، داخل هذه الكتلة بالذات، فإن التيار الصدري الذي لديه 32 نائباً يرفض المبدأ برمته، في حين يتبنى حزب الفضيلة، الذي لديه 15 نائباً، فيدرالية إدارية في جميع المحافظات، ولا ندري ما هو حجم الرفض لدى المستقلين في هذه الكتلة.

أما بالنسبة لبقية الكتل الممثلة في المجلس النيابي، فهي ترى بأن طرح الفيدرالية في الوقت الحاضر تترتب عليه مخاطر جسيمة قد تنسف مشروع المصالحة الوطنية الذي بادرت إلى طرحه حكومة المالكي، ولا يمكن الاستهانة بحجم هذا الرفض، الذي جاء من كتلة التوافق والقائمة العراقية وكتلة الحوار الوطني وكتلة المصالحة والتحرير، الممثلة في المجلس النيابي بعدد من المقاعد يبلغ: 44، 25، 11، 4، على التوالي.

إن ردود الفعل الرافضة التي تفجرت في المجلس النيابي وأدت إلى تأجيل القراءة الأولى للمشروع المقدم حول المباشرة بوضع أسس فيدرالية الأقاليم إن عبرت عن شيء فهي تعبر عن مقاومة عنيفة لأي مشروع قد يمهد السبيل للإضرار بوحدة العراق، هذه الوحدة التي أصبحت منذ زمن بعيد رمزاً لوحدة الأسرة العراقية التي اختلط فيها الدم الكردي مع الدم العربي مع الدم التركماني.

هذه الدماء التي لم تصنف نفسها إلا وفق أصناف الدم المعروفة في الأوساط الطبية، فهي ليست كردية أو عربية أو تركمانية، وهي ليست إسلامية أو مسيحية، وهي ليست سنية أو شيعية، وإنما دماءً عراقية.

إن حجم الرفض لتفعيل البند الخاص بفيدرالية الأقاليم ، الوارد في الدستور الدائم، يتطلب ممن قدم الطلب أن يعمد إلى سحبه وتأجيل طرحه إلى وقت آخر، ويتطلب من المجلس النيابي تفعيل المادة 142 لأن لها أسبقية في الاستحقاق الزمني، فليس من الواقعية السياسية أن يُصار إلى تبني هذه الطروحات وجعلها برنامجاً سياسياً في الوقت الراهن.

فعلى من يريد أن تكون الفيدرالية مقبولة لدى العراقيين أن يُنضجها على نار هادئة وأن يكون لديه الصبر الكافي لتحقيق هدف كبير الأهمية كهذا الهدف.. فواقع الحال في العراق غير مناسب إلا للبحث عن ضمادات لوقف نزيف دم أبنائه الذي استرخصه الأبناء أنفسهم قبل أن يسترخصه المحتل، واقع لا يتسع لغير مشاريع المصالحة الوطنية من أجل تحقيق انسحاب سريع للقوات المحتلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae