باق من الزمن أقل من 50 يوماً وهي طبعا لمحة خاطفة في عمر الأمم.. فما بالك بأمة مثل أميركا تعودت على سرعة الإيقاع - اللاهث أحيانا.. سواء في حركة الحياة اليومية أو في أفلام السينما (الأكشن كما يسميها أهل الصنعة) ناهيك بسرعة تناول، إن لم يكن التهام، الطعام حتى لتصدر بحقها كتب في هذا المجال بالذات لعل من أهمها الكتاب الطريف الذي أصدره الكاتب المحقق «إيريك سكولوسر» بعنوانه الشهير:

«أمة الطعام السريع».

نعم باق من الزمن هذه الأسابيع الستة وبعدها ينصبون موسم أو مهرجان انتخابات التجديد للكونجرس الأميركي في شهر نوفمبر وسط تحديات يجهد لمواجهتها الحزبان الكبيران في الولايات المتحدة - الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض.

يخشى الجمهوريون أن تخرج السيطرة على البرلمان من أيديهم وطالما نعموا بها طيلة سنوات الولاية الأولى للرئيس بوش فضلا عن سنتي الولاية الثانية الراهنة.

وهذا الوضع المريح هو الذي ضمن أغلبية الأصوات للجمهوريين بعامة في مجلسي الكونجرس ولفصيل المحافظين الجدد بخاصة في مدارج الإدارة - الحكومة ودوائر البيت الأبيض إمكانية اتخاذ ما يتفق مع أجندتهم السياسية والعقائدية من قرارات جاء بعضها محفوفا بكل المخاطر على قدرات أميركا العسكرية، وعلى موازنتها القومية وأيضا على سمعتها الدولية (غزو العراق نموذجا).

من جانبهم يبذل الديمقراطيون قصارى جهدهم للفوز بأغلبية - مهما تكن ضئيلة تكفل لهم مقاليد السيطرة على الكونجرس ولو ببضعة أصوات باعتبار أن هذا الفوز للحزب الديمقراطي في انتخابات نوفمبر المقبلة يكفل عدة نقاط إيجابية:

أولا: وبحكم أنها انتخابات منتصف الولاية (الرئاسية) كما يقول المصطلح السياسي الأميركي فإن أغلبية المعارضة في البرلمان معناها ضعف القرار الرئاسي وقدرة الكونجرس على التصدي لمخططات البيت الأبيض.

وتحجيم ما يتمتع به رئيس الدولة من سلطات، بل مراجعته فيما قد يتخذه خلال العشرين الى الأربعة والعشرين شهرا المتبقية من ولايته الثانية والأخيرة، وهو ما يتحول به الرئيس الى «بطة عرجاء» على نحو ما تقول به أيضا الأدبيات السياسية الأميركية.

والحق أن الظروف ظلت تخدم الجمهوريين على امتداد السنوات الست التي أمضاها بوش - الابن في مكتب الرئاسة البيضاوي.

وشملت هذه الظروف أن جاءت رئاسته أولا بعد نوع من التصدع أو الاهتزاز الأخلاقي في المجتمع الأميركي في ضوء التصرفات غير المقبولة للرئيس كلينتون مما أدى - رغم مواهب وثقافة بل ومنجزات الرئيس السابق ـ إلى إلقاء ظلال كثيفة من عدم الثقة ومن التشكيك في زعامات الديمقراطيين ومن ثم رغبة التغيير إلى مواقع الجمهوريين..

هذا فضلا عن الملابسات الدقيقة.. والألاعيب القانونية التي واكبت نجاح بوش أمام منافسه آل جور في الولاية الأولى ثم أمام منافسه في المرة الثانية ون كيري.

وكان هناك ثانيا ما يمكن أن نصفه بأنه سياسة ترويع الجماهير.. وهي جموع الناس التي يسهل تخويفها وإقناع بسطائها بما يريد النظام الحاكم أن يدخله في روعها وقد أنجزت هذه السياسة كل المطلوب منها وزيادة من خلال طرح شعار بالغ التأثير يقول في إيجاز حاسم:

أيها المواطنون.. الوطن في خطر.

هذا هو الشعار الذي انتشر واستشرى ومازال منتشرا ومستشريا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي لم يقصّر القوم مؤخرا في إحياء ذكراها الخامسة مع التشديد على عبرتها واستغلال عقابيلها وتداعياتها.

على أن هذه العوامل جميعا.. سواء ما تعلق منها بأخلاقيات رئيس ديمقراطي سابق أو ما اتصل منها بغواية الألاعيب القانونية واستغلال أي ثغرات في نظم إحصاء الأصوات أو في إمكانية تشويه الخصوم دع عنك استغلال وقائع سبتمبر 2001 الكارثية..

كل هذه العوامل ما كان لها أن تكفل النجاح لرئاسة بوش ولا لسيطرة حزبه على الكونجرس إلا لأنها وجدت من يجيد استثمارها واستغلالها لصالح النظام القائم في واشنطن بكل ما شاب مسيرته ولا يزال يشوبها من عثرات وأخطاء بلغ بعضها من الجسامة والفداحة الحد الذي شهدت به آخر استطلاعات الرأي العام التي أعلنت بتاريخ 6/ 9 (من خلال شبكة سي. إن. إن الإخبارية) أن أكثر من 54 في المائة من الأميركيين يرون أن إدارة الجمهوريين للبلاد سيئة بل بالغة السوء ثم كان هناك نسبة 76% ترى أن أسلوب رئاسة بوش يثير الغضب في نفوس عامة الأميركيين إضافة إلى 60% يرون أن سياسات الإدارة الأميركية بحاجة الى تغييرات جوهرية.

وربما كان أهم نتائج هذا الاستطلاع هو أن نسبة 55% من أفراد الرأي العام الأميركي (وهي نسبة إحصائية لا يستهان بها في مجتمع ديمقراطي) وصلت بها ضرورات التغيير الحد الذي جعلها تؤكد أنها سوف تؤيد مرشحي الحزب الديمقراطي المعارض في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.

هناك شخص مسؤول واحد في أميركا يستبد به القلق العميق إزاء مثل هذه الاستطلاعات.. اسمه «كارل روف» ويعد بمثابة المستشار الأول للرئيس بوش.. وهو يتمتع بهذه المكانة، لا بحكم خبرته في الشؤون الدولية ( روف لم يكمل تعليما جامعيا) ولكن بحكم مهارته وحنكته ومواهبه التي لا تنكر في التعامل الشؤون الداخلية.

وبالتحديد في إجادته لعبة التوازنات والتربيطات والتشبيكات والتحالفات لصالح مرشحيه الجمهوريين وكان في مقدمتهم بوش - الابن ذاته الذي استطاع كارل روف أن يتحول به صُعدا من نجل رئيس سابق إلى حاكم لولاية تكساس البترولية الشاسعة ومن مرشح جمهوري عليه علامات استفهام شتى إلى رئيس جمهورية لفترتين.

ولقد بلغ أمر النفوذ الذي ظل روف يتمتع به في البيت الأبيض لدرجة أن ينشر اثنان من المحللين السياسيين الأميركيين كتابا مهما يحمل عنوانا له دلالته وهو:

عقل بوش

فأما الكتاب فيقع في 396 صفحة وأما عقل الرئيس بوش فهو كارل روف شخصيا الذي تصفه سطور الكتاب (ص336) في عبارات مكثفة الإيجاز تقول: - هو المستشار السياسي للرئيس بوش، وهو صديق الرئيس، وموضع ثقته وجليسه على موائد العشاء، وصاحبه في الحل والترحال.. إن كارل روف رجل ارتبط مصيره بكل الوشائج والأسباب بمصير الرئيس بوش.

من ناحيتنا نلاحظ أن هذا الارتباط الوثيق وقد كان يعمل لصالح كارل روف على مدار الفترة الماضية، إلا أنه بدأ يعمل ضد صالحه في الفترة الراهنة وربما إلى انتخابات نوفمبر الوشيكة. أولا لأن الرئيس نفسه يعاني انخفاضا في شعبيته.

وثانيا لأن روف ظل يعاني شخصيا من تصدع في مصداقيته خلال الأشهر الأولى من هذا العام بل وكاد يدان أمام القضاء بتهمة إفشاء أو تسريب أسرار الدولة العليا في غمار معاركه المفضلة لتحطيم الخصوم، وثالثا لأن جمهرة من المحللين والمعلقين السياسيين في أميركا بدأت عملية تشكيك وتفنيد الأسلوب المعتاد لروف في الاعتماد على تحالفات قوى التمذهب الديني (الاي؟انجيليين) ودوائر اليمين الاقتصادي.

وقوى التعصب الوطني (المناهضة للمهاجرين) وبلغ الأمر أن بدأت عناصر من الحزب الجمهوري ذاته تتمرد على البيت الأبيض وتتباعد عن سياساته ومنهجه ومستشاريه على نحو ما شهده مؤخرا السباق الانتخابي على منصب حاكم ولاية متشغين.

وقد استرعى اهتمامنا التحليل المفصل الذي نشرته مؤخرا جريدة «نيويورك تايمز» (عدد 2/9/2006) حول تضاؤل أهمية ونفوذ كارل روف - عقل الرئيس على نحو ما ألمحنا - حيث لاحظ كاتبا التحليل أن التحقيقات القضائية التي عاناها روف على مدى 12 شهرا في دعوى تسريب المعلومات أدت إلى صدور قرار في ابريل الماضي بإعفائه من بعض مسؤولياته في البيت الأبيض..

ومن ثم فقد نقلوا مكتبه من قاعة مهيبة فارهة في الجناح الرئاسي الغربي، القريب من مكتب الرئيس إلى غرفة أصغر بغير نوافذ عبر الردهة المقابلة وبعدها نقلوا عن الرجل شعورا بالإحباط وانخفاض المعنويات..

وزادت الصحيفة الأميركية قولها أنها طلبت إجراء مقابلة وحديث مع المستشار الرئاسي العتيد فكان اشتراطه أن يتم «أو؟ ريكورد» بمعنى بشكل غير رسمي وغير قابل للتسجيل أو التوثيق وأي إشارات يرد ذكرها في الحديث لابد من أن يعتمدها البيت الأبيض. أضافت «نيويورك تايمز» موضحة أنها رفضت هذا الشرط.. وتلك نقطة نحسبها من قبيل رصيد يضاف إلى مهنة الصحافة التي تحترم تقاليدها وتتمسك بأعرافها.

كاتب مصري