فنانة مسيحية مارونية من مرجعيون تعيد إلى الذاكرة تراث فنانين عظماء عاشوا قضايا أوطانهم، أدركوا أن أجسادهم وأرواحهم جزء من ثرى بلادهم فخاضوا معاركها وعاشوا أحزانها .

هؤلاء العظماء بدأوا بسيد درويش في عشرينات القرن الماضي الذي حاول بأغانيه وألحانه الفذة تثوير مصر ضد الاحتلال البريطاني، وبعث الوطنية المصرية من تحت ركام الاحتلالات التي توالت على البلاد حتى كادت أن تنسيها ذاتها، فواكب ثورة عام 1919 ( أنا المصري كريم العنصرين ـ قوم يا مصري ـ بلادي بلادي) وفي كل عشرة أعوام ظل عقد الفنانين المقاتلين يضم إليه واحدا أو اثنين في مصر وغيرها من البلاد العربية رغم مئات نجوم الطرب والتلحين الذين يظهرون ويختفون.

لكن ثورة عام 1952 في مصر فجرت بركانا من المشاعر الوطنية والقومية، فانضمت أم كلثوم التي كانت أسطورة الطرب العربي حينها إلى كوكبة الفنانين المقاتلين، وظهر إسهامها كأبرز ما يكون في المواجهات العسكرية المتتالية مع إسرائيل ( والله زمان يا سلاحي ـ الفجر الجديد ـ ثوار ـ بغداد ـ مصر تتحدث عن نفسها ـ أنشودة الجيش).

ومن المفارقات أنها ليلة الخامس من يونيو 1967 غنت أغنية وطنية جديدة من كلمات صلاح جاهين (راجعين بقوة السلاح، راجعين نحرر الحمى) وفي اليوم التالي حدث ما حدث فأصيب صلاح جاهين وأم كلثوم باكتئاب شديد ظل يلازم جاهين حتى مات، لكن أم كلثوم أدركت أن ما تنتظره منها مصر في نكستها أهم بكثير من مشاعرها الشخصية، فقامت بأطول جولة فنية في العالم العربي وأوروبا خصصت كل دخلها لدعم المجهود الحربي .

كان هناك أيضا الموسيقار محمد عبد الوهاب بعديد من الألحان أشهرها (أخي جاوز الظالمون المدى) وعبد الحليم حافظ الذي بنى مجده بالأغاني الوطنية وأيقونة الطرب العربي فيروز (زهرة المدائن ـ سنرجع يوما ـ وعشرات غيرها).

وفي الأيام الأولى لحرب 67 أشعل الفنان محمد حمام المشاعر الوطنية بأغنيته ( يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي، أستشهد تحتك وتعيشي أنتي ) وأخذ سيد مكاوي يذكرنا بأن الأرض مهما طال احتلالها تظل عربية تحن للرجوع ( الأرض بتتكلم عربي) .

وفي معركة 73 كان المطربون والملحنون يتسابقون حتى تذيع لهم الإذاعة المصرية لحنا، لكن سلام السادات أطفأ المشاعر فتحولت أغاني الوطن إلى تمجيد للزعيم، فلم يبق على الساحة إلا الفنان المطرود من رحمة الإعلام الرسمي الشيخ إمام عيسى.

هذه الروح عادت مرة أخرى مع اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 فظهر بقوة مرسيل خليفة الذي كرس حياته لهذا الغرض وظلت أغانيه محفورة في الوجدان (منتصب القامة ـ شدوا الهمة ـ وقفوني ع الحدود ـ أحمد الزعتر ـ وغيرها من عشرات الألحان المقاتلة) وأحمد قعبور ( أناديكم ـ والله وطلعناهم بره ـ ارحل) وجورج قرمز.

كما انضمت ماجدة الرومي وزياد رحباني وعلي الحجار ومحمد منير وإيمان البحر درويش. جوليا مثلها مثل مرسيل أبت على نفسها إلا أن تجعل جل أغانيها للوطن النائم المحاصر المعتدى عليه (وين الملايين ـ ياثوار الأرض ـ يا عدو الشمس ـ غابت شمس الحق) وعشرات من الألحان، وخلال العدوان الأخير نزح كثير من الفنانين إلى خارج لبنان خوفا على حياتهم من عدوان لا يفرق بين حاملي السلاح وحاملي الورود.

وحدها عادت جوليا لتعيش مع لبنان ومقاومته وصموده، تشارك في التظاهرات، وتزور الأماكن التي دمرها البرابرة، تغني مع الصامدين، وتبكي لأشلاء الأطفال الضحايا. إن الوطن ليس مجرد دوحة نستريح في ظلالها وقت السلم، لكنه عرض نقاتل عنه ونبذل الروح لأجله حين يطمع الطامعون، ألف وردة لجوليا بطرس ولأمثالها، إنها تثبت أن أمتنا تظل حية متدفقة بالعطاء والنضال والتضحية، ولكل التائهين أقول إن الفن الملتزم وحده هو ما سيبقى خالداً، أما فن التأوهات المبتذلة فيذهب مع الريح.

magdishendi@hotmail.com