اقف على نعش كان يمر من هنا، وعلى أمتار منه كان يمر نعش آخر لاتفصلهما إلا لوحة كتب عليها «شكسبير العرب».

ماعرفناه هو ان الموكبين كان أحدهما (رسمي) والآخر (شعبي)، والنعشان يعودان لشخص واحد، يمكن وصفه بنعش احتضنته المدائح وتحاشاه النقد.

ومالم نعرفه هو لمن تنسب «اللوحة الشكسبيرية» للنعش الرسمي أم الشعبي.؟

صحيح أن نجيب محفوظ ولد قبل أن يلد احد منا، ولكن هل مات ايضا قبل ان يموت أحد منا، وهل هو الميت فعلا ونحن الأحياء.؟ ومن هو قاضي القضاة بين الأحياء فينا الذي نقض كفاءة حروف رسمية وشعبية في كلمتي: «نجيب ومحفوظ»، وحكم بإضافة المقبلات والمتبلات والتوابل والبهارات بحروف مستوردة وأجنبية/ «ش.ك.س ب ي.ر..؟»

نجيب وصفتك الصحف الأميركية بمصداق الحياة، وبكبير وعظيم مثل «همنغواى» وكاره للسفر والترحال مثل «فوكنر» ®. في حين اعتبرتك الأعلام المصرية خلطة لن يكتمل سحرها دون حروف لاتينية، وما أنت أنت الا بما استقطبت من وراء النيل والبحار .! فأين نجيبنا المصري الأصيل الذي ليس ايا من كل هذا وانما نسيج نفسه، ونجيب نفسه وحفيظ نفسه، اين نجيب محفوظ دون شكسبير وهمنغواي وفوكنر.؟

فشكسبير العجم -إن صح تعبير كل ما هو غير عربي فهو عجمي- لعل حسابات وريثي عرشه تتضخم وتعاني تخمة ملايين الجنيهات الإسترلينية، من عائدات مطبوعاته ومسرحياته، بينما شكسبير العرب الذي غبنته الدولة بجنيهاتها المصرية حين سرقت وقته الثمين ولم تمنحه راتبا يفرغه من الدوام الذي كان يقضم قلمه وينشف مداده ويحرق قرطاسه .. ومشى اليوم نعشه لاتقوده الجماهير وانما النعش نفسه كان يقود جماهير النيل من عشاقه الرسميين والشعبيين، وهو أسير بينهما، لايدري أي الموكبين يعود له أو لأي من الموكبين ينتمي إليه هو الآخر..!؟

وهل شكسبيرنا عاش فقيرا ومات فقيرا.؟ وهل كان يكتب ليعيش او يعيش ليكتب.؟ وهل الكتابة الحرة تجلب البلاط الأحمر ناهيك إن يضمن الخبز الأسمر لآخر رمق من الحياة؟

وهل الكتاب يبدأون أغنياء ويعيشون أغنياء ويموتون اغنيا؟ ام أنهم يبدأون حياتهم بقلم مستعار يأتيه المستعير على وسادة مرضه ليسترد قلمه، فيزيد ألمه .. ويتركه في كوخه دون موقد وجمرة من النار، كما كشف لنا الغطاء قريبا عن أواخر يوميات إمبراطور (كأسك يا وطن) المرحوم الاستاذ محمد الماغوط تحت السلالم في كوخ من بلاد الشام يسكنه الغبار وينقصه التين والزيتون والمشوار.

ونجيب محفوظ هل فعلا كان يبحث عن المال ولم يجده حتى مات فكافؤوه بنعشين وكفنين وقلمين وصنمين وموكبين يتقدمهما محمد حسنين ويتأخرهما إحدى الحسنيين، إما الحياة بالعطاء وإما الموت بالخلود والبقاء ودون رفع ستار إلى اللقاء.؟

أم انه من ذي بدء كان قد طلق الدنيا ثلاثة لا رجعة فيها، ولجأ بما يعوض عنها بالقرطاس والقلم في دنيا الأحرار، بعدما جرد عنه السيف والرمح من دنيا العبيد.؟

أسئلة تخيفني إجاباتها قد يجانبها الصواب او يحالفها، وبما ان الحكمة تؤخذ أحيانا من افواه المجانين، والإجابات المستعصية قد تأتيك دون جهد من شفاه الاطفال الأبرياء، فاسمحوا لي ان نطلق على الحلبة طفلا ومجنونا في آن واحد.

ففي حين رأيناه (المجنون والمصاب بجنون العظمة) يخاطب الشعب الأميركي قبل ثلاثة أيام، ويدعوه لزراعة الذرة بديلا للنفط، في كلمة ألقاها بمنشأ التدريبات البحرية بولاية ميرلاند الأميركية، بمناسبة الاحتفال بعيد العمال الأميركي، وتعلو نبرات صوته المرتعشة والممزوجة بداء الجنون، (والجنون فنون طبعا) وهو يصرخ:

«إننا سنعتمد من الآن فصاعدا على المزارعين الأميركان العباقرة الذين يزرعون الذرة، وينقلونها إلى مصنع «الإيثانول» الذي ينتج وقودا، اننا عظماء لأننا قررنا العودة إلى الأرض لزراعة الذرة دون حرب النجوم في الفضاء، فبعد وجود حبيبات الذرة في الطبق الأميركي، ستصبح أميركا العظمى أعظم من اي وقت مضى، لاننا سنصبح أقل اعتمادا على النفط الأجنبي، يجب ان نصبح اكثر اعتمادا على المزارعين الاميركيين الأعضاء في منظمة (...) الأميركي بدل الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» الأجنبي، كي ينتجوا الوقود لسياراتنا، وهذا ما سنفعله «إن شاء الله»

ولا أدري انه استخدم كلمة «إن شاءالله» ام إنها مقولة خرجت مني لاإراديا، كما تخرج من افواه المتكلين على الله، ومن هم المتوكلون على الله في عالمنا أكثر من المزارعين المتوكلين، الذين يزرعون بالتوكل على الله، ويرمون الحبوب في الصحراء متوكلين على الله ثم وينتظرون الامطار بالتوكل على الله ثم يحصدون بالتوكل على الله.

ولا ينظرون للحبوب الا نظرة ود ومحبة ورحمة تحولها دون محرقة مصنع الإيثانول» ®. نعم انها حبوب بالتوكل على الله تتجه بدل المحارق إلى أقدس اعضاء الجسد إذ تلتقطه الأفواه الناطقة بكل رفق وأدب وأحترام بسم الله إذ البدء ببسملة الله والنهاية بحمدلله ودون نكاية وحقد وحسد بمنظمة أوبك الأجنبية، ولا استعراض بمنظمة المزارعين الأميركية.

وفي كل الاحوال كانت كلمة «ان شاء الله» من شعاراتنا وليست من شعاراتكم، وستبقى كمثيلاتها من كلمات «الحمدلله، وسبحان الله وتوكلت على الله» تماما كما «الزراعة في الارض» من شعاراتنا العريقة اذ ديننا الإسلامي الحنيف دين أحيا موات الاراضي بالزراعة بمنح محييها حق المنفعة، وليس حق الاحتلال والإحراق بالقنابل العنقودية، وبتوزيع الثروات بديمقراطية الاقتصاد الإسلامي الذي ينصف الفقراء إلى جانب الأثرياء بحصص الزكاة والفطرة وحقوق المحتاجين، وليس بالاقتصاد الربوي بما يزيد ثراء الأثرياء فحشا على حساب الفقراء فتكا ومجاعة.

وعلى أمتار من خطابات جنون العظمة خارج البيت الأبيض، كانت لنا وقفة أخرى مع كلمات صعدت من داخل البيت الأبيض، ولكنها لطفلة، لعلها من حفيداته، كانت تلاحق خطوات السيدة الأميركية الأولى المدام بوش وهي تتجه من مغسلة لأخرى بفرشاة أسنان بلا معجون، فبادرتها الطفلة بسؤالها ..

(لماذا سيدتي تستخدمين اليوم «المسواك الخشبي التقليدي العربي الزراعي» بدل فرشاة الاسنان ومعجونها الأميركي؟..) فأجابت المدام: (لاننا حبيبتي وكما أطلق الآن الرئيس على الشاشات ثورته الجديدة: «التحول من الأرض المحروقة إلى الأرض المزروعة، وأيضا لان الفضاء قائمة محرماتها في تصاعد مستمر، ولعل آخرها ما تم تحريمها على الطائرات من السوائل الكيمياوية والصابون ومعجون الاسنان).

ويبدو أن المدام لم تنج بهذا القدر من الكلام، لأن الحفيدة البريئة ظلت تلاحق مشيتها وقفزاتها وهرولاتها من مغسلة لأخرى ومن زاوية لزاوية في دهاليز البيت الابيض، وهي مازالت متمسكة (بالمسواك) لتحاصرها الأخيرة بسؤال أخير: «مدام ايش يعني الفاشيه الإسلامية» .؟

ويبدو ان الكلمة: كلمة (الفاشية الإسلامية) كانت جديدة على المدام اليوم، كما كانت كلمة «المسواك العربي» جديدة عليها بالأمس .. وماارادت ان تحرج نفسها امام طفلة قد يشهر بها امام صديقاتها: (ان المدام لاتملك قاموسا كاملا بابجديات سيدها بوش..!)

فرفعت الهاتف وادارت رقم البنتاغون، لتعرف نفسها بمن يرفع السماعة من الطرف الآخر: «هاي .. معاك السيدة الأولى في الولايات، وان طفلة من البيت الأبيض امام سؤال اكاديمي بسيط، قد تحتاجها ضمن مساقاتها اليومية المدرسية، وانا مشغولة بأمور اكبر، فياحبذا لو ساعدتموها على سؤالها البسيط.. الا وهو «ما هي الفاشية الاسلامية»؟ وسلمت الهاتف للطفلة وغادرت الموقع بسرعة وبمسواكها الزراعي.؟

لكن إدارة البنتاغون أخذت مكالمة سيدة البيت الأبيض مأخد الجد، فرصدت للسؤال ميزانيات وخبراء ومستشارين، قد لايتوصلون لصياغة جواب نهائي قبل الانتخابات المقبلة وحينها قد لايتواجد في البيت الأبيض (لا نفس الطفلة ولا المدام ولا الرئيس بوش) فعادت الطفلة المسكينة والبريئة لمدرستها لاتحمل الاجابة على أمل أن لا يتوجه لها السؤال نفسه في العام الدراسي الحالي، خاصة وان السيد بوش ليس امامه انتخاب جديد، وان حليفه بلير ايضا قد طلب منه ان يلملم حقيبته ليرحل.

لكن براءة الطفلة فرضت على القاعة أن تغنغن بالسؤال والجواب بنفسها لنفسها صداهما:

(يبدو المسلمون هم اصدقاؤنا في كل مكان الا الفاشيين منهم، لكن من هم الفاشيون.؟)

فمثلا المسلمون في افغانستان هم اصدقاؤنا بوجود السوفييت فيها، واذا ما أخرجواالسوفييت بشجاعتهم وبطولتهم وطالبوا بحقوقهم وحرياتهم فهم الفاشيون.

وهم أيضا اصدقاؤنا في العراق بوجود الاحتلال الأميركي، واذاما قاوموا المحتل ودافعوا عن شرفهم وعرضهم وكرامتهم وبناتهم فهم الفاشيون.

وهم أيضا اصدقاؤنا في فلسطين وسوريا ولبنان وفي كل مكان، واذا ما طالبوا بالقدس والجولان وشبعا فهم الفاشيون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

كاتب إماراتي