في التاسع من سبتمبر عام 2001، وقبل الهجوم على برجي نيويورك بيومين فقط وقع حادث الاعتداء على قائد قوات التحالف الشمالي في أفغانستان أحمد شاه مسعود الملقب بأسد بنشير نسبة إلى وادي (بنجشير) أو وادي الأسود الذي تحصن فيه مسعود في الحرب ضد السوفييت في الثمانينات.
في هذا اليوم التقيا شابان عربيان يدعيان (دحيان عبد الستار وبوراوي الواعر) قيل أنهما صحافيان من تونس ويحملان جوازي سفر بلجيكيين جاءا لإجراء لقاء صحافي مع مسعود في مقره في منطقة (خواجا بهو الدين) في أفغانستان، ومعهما كاميرا تصوير بداخلها قنبلة وفجرا نفسيهما عند لقائهما به، وأصيب مسعود إصابات بالغة توفي على أثرها بعد بضعة أيام.
هذا الحادث مازال حتى الآن يلفه غموض كبير، خاصة وأن طالبان المتهمة الأولى في الحادث نفت علاقتها به منذ البداية، ولم تكن في حاجة للنفي، خاصة وأن مسعود هو عدوها اللدود وربما يشرفها أن تأخذ على نفسها مسؤولية اغتياله والانتقام منه.
وقيل أن تنظيم القاعدة هو الذي اغتال شاه مسعود، ولكن القاعدة كانت مرتبطة بطالبان وتحارب معها ضد مسعود، والقاعدة أيضا لم تأخذ على نفسها مسؤولية اغتيال مسعود، كما أنه ليس من المتصور أن تكون القاعدة مقدمة على هجومها على نيويورك في 11 سبتمبر وتخطط في نفس الوقت لاغتيال شاه مسعود، خاصة وأنه من المفترض أن القاعدة كانت تعلم جيدا أن هجومها على نيويورك لن يمر بدون عقاب من أميركا.
وكانت تتوقع الحملة العسكرية الأميركية عليها بعد 11 سبتمبر، وكان عليها أن تتوقع في غياب مسعود أن يتم تنسيق بين قوات تحالف الشمال والأميركيين ضد القاعدة وطالبان معا، بينما في حالة وجوده يصعب على الأميركيين التفاهم مع تحالف الشمال، خاصة وأن شاه مسعود كان دائما يتهم الأميركيين والنظام الحاكم في باكستان بالدعم المباشر لطالبان، ويتهم القاعدة بأنها صنيعة أميركية.
كان من الصعب على واشنطن أن تستقطب شخصا مثل أحمد شاه مسعود القائد الطاجيكي الأصل الذي اتفقت عليه كل الفصائل من طاجيك وأوزبك وبشتون وباقي فصائل المعارضة الأفغانية، وكان مسعود يتمتع بشعبية كبيرة لدى الشعب الأفغاني وبشخصية كاريزمية قلما تتوافر لقيادة أخرى في أفغانستان كلها.
وخاصة بعد قيادته للنضال ضد القوات السوفيتية،وبعد أن أصبح وزيرا للدفاع ثم نائبا للرئيس برهان الدين رباني كما أنه كان سياسيا بارعا ومثقفا ويجيد العديد من اللغات مثل الفرنسية والروسية والعربية والفارسية.
وكانت له علاقات دولية جيدة مع فرنسا والاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من نضاله السابق ضد السوفييت إلا أنه كان على علاقة طيبة للغاية مع روسيا التي تلقى منها تحالف الشمال دعما عسكريا كبيرا في حربه الطويلة ضد طالبان، كما كان مسعود على علاقات وطيدة مع إيران ويتلقى منها دعما عسكريا أيضا.
لم يكن شاه مسعود على وفاق مع واشنطن، وكان يتهمها دائما بدعم طالبان عن طريق باكستان، وحالت علاقات مسعود القوية بموسكو وطهران دون حدوث أي تقارب مع واشنطن التي رفضت أي شكل من الحوار معه، على الرغم من أن باقي قادة تحالف الشمال أمثال رشيد دوستم والجنرال محمد فهيم الذي تولى القيادة بعد اغتيال مسعود لم يكن لديهما اعتراض على فتح الحوار مع واشنطن، لكن مسعود برؤيته الاستراتيجية لأوضاع الصراع الدولي في المنطقة كان يعلم جيدا أن الحوار مع واشنطن لن يأتي بفائدة ولن يضع تحالف الشمال في وضع أقوى أمام طالبان.
بعد اغتيال مسعود وبعد أحداث 11 سبتمبر لم يتردد القائد الجديد لتحالف الشمال الجنرال فهيم في التحالف مع واشنطن في حملتها العسكرية على أفغانستان، وبعد الحملة لم يتردد فهيم ودوستم وبعض قادة تحالف الشمال في التعاون مع نظام الرئيس حامد قرضاي وتولي مناصب في حكومته.
أسئلة كثيرة تطرح نفسها الآن بعد خمس سنوات من أحداث 11 سبتمبر، منها.. لو لم يغب شاه مسعود عن الساحة.. هل كانت واشنطن تستطيع القيام بحملتها في أفغانستان وتأتي بنظام الرئيس قرضاي في كابول؟ هل كان مسعود يقبل التحالف مع الأميركيين؟ وكيف كان الشعب الأفغاني يقبل بنظام حكم قادم من واشنطن في ظل وجود قائد شعبي كبير مثل (أسد بنشير) شاه مسعود؟
وهل كانت واشنطن تقبل بتولي مسعود المدعوم من روسيا وإيران للحكم في أفغانستان؟ والسؤال الأهم هو.. هل الجهة التي اغتالت مسعود كانت تعلم مسبقا بوقوع هجوم 11 سبتمبر وبالحملة العسكرية الأميركية على أفغانستان؟
أسئلة كثيرة تطرح نفسها الآن لتزيد الغموض حول حادث اغتيال شاه مسعود، ومن يقف وراءه، ومن المستفيد من رحيله؟
elmoghazy@hotmail.com