هل نصبح عما قليل دولاً نووية بالفعل؟ ومتى بالتحديد؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومن الذي سيبدأ بالخطوة الأولى؟
إن مجرد طرح فكرة (امتلاك الطاقة النووية) يطرح أمامنا آلاف التساؤلات المتعلقة وغير المتعلقة بهذه الذرّة غير المرئية بالعين المجردة وغير المجردة.
وعندما أعلن وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة قبل أيام اتفاقهم (بين ما اتفقوا عليه) على حق الدول العربية في الحصول على الطاقة النووية (للأغراض السلمية) قفزت إلى أذهان الكثيرين أننا دخلنا في عالم الذرة (بتشديد الراء) وأننا غدا سنشكل قوة عظمى ترهب العالم .
وعلى رأسه (دولة إسرائيل).وحيث إننا نملك - بفضل ملايين شعراء الأمة العربية - من التخيلات التي فاقت تخيلات دون كيشوت الذي كان ضحية إدمانه قراءة قصص الفرسان وامتلاكه لـ (روزينانت) حصانه العجوز وبمساعدة خادمه المخلص شانشو بانزا إلى أن وصل إلى درجة محاربة طواحين الهواء، فإننا لا نستبعد إطلاقا أن نحصل على ما حصل عليه بطل ميخائيل سيرفانتس الذي عاش بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر!
إن الفكرة تستحق أكثر من وقفة ومن تساؤل. ولكن أغرب ما في الأمر أن تطرح هذه المسألة الحساسة جدا بهذا الشكل وفي هذا الوقت بالذات! فبينما لم يزل معظم الشعب اللبناني يعيش دون مأوى بعد خروجه مدمرا بالكامل من حرب مروعة لمجرد اختطاف جنديين إسرائيليين.
وبينما ما زال الفلسطينيون في صراع قاتل فيما بينهم، وبينما أنظار العالم متجهة إلى إيران، وفي الوقت الذي يرفع فيه العلم الكردي على شمال العراق دون إذن أو استئذان، وبينما يسيطر اشتعال الطائفية المذهبية على أحداث القتل في العراق، يخرج وزراء العرب بقرار الحق في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية.
إن إيران منذ عقود طويلة وهي تحسب حساباتها لأجل إقناع العالم بكل الوسائل الممكنة بأن منشآتها وتجاربها النووية ليست إلا للأغراض السلمية، وفتحت أبوابها للتفتيش الدولي وقبلت بكل الشروط المفروضة، إلا أنها تحولت إلى مرمى هدف الحرب الأميركية الاستباقية ضد الإرهاب ليس إلا لكونها دولة أولا تقع ضمن حزام الشرق الأوسط وثانيا لأنها دولة أولا وأخيرا إسلامية.
وحيث إن الدول العربية تنطبق عليها نفس مواصفات إيران من حيث الموقع الجغرافي القريب من إسرائيل بل تحيط بها من كل جهة وصوب، وحيث إنه لا توجد دولة عربية واحدة إلا وتدين بالإسلام، فإن مجرد التفوه بألفاظ (الطاقة النووية) قد يثير إما الاستهزاء أو التلويح بالعصا التي نعرفها جميعا.
ولكن المنطق يدعونا لأن نتصور أن أحدا ما لن يعير هذا القرار انتباها، لأننا في الأساس عاجزون تماما عن الدخول في مثل هذه التحديات على هذا المستوى الذي يتطلب خبرات طويلة وقوى غير محدودة وعلاقات خارقة وصبرا ومواد أولية لا نملكها حتى الآن إضافة إلى تجارب مرة في مثل تلك المحاولات. فمعظم خبراء وعلماء الطاقة النووية العرب الذين لم يتم اغتيالهم في العراق يعملون لمصلحة الدول الغربية وتحت مراقبتها.
والدولة العربية الوحيدة التي تجرأت لامتلاك بعض المفاعلات النووية كانت العراق زمن صدام حسين وتمت تسوية مفاعلاتها كاملة في أقل من خمس دقائق ثم أجهز على الدولة بالكامل وعلى رئيسها وعائلته ليس لأنه يملك أسلحة دمار شامل ولكنه (فكر) في أن تصبح دولته نووية. فدفع الثمن غاليا ومازال حتى هذه اللحظة. أما ليبيا فقد سلمت كل شيء للولايات المتحدة عدوها اللدود على مدى عقود طويلة.
إننا قبل الانتقال فجأة إلى عصر الطاقة النووية في حاجة إلى تطور طبيعي وتدريجي. فنحن نهدر أغلى طاقة في العالم، النفط. وصناعاتنا مازالت بدائية وغير دقيقة وغير مأمونة الاستخدام وقصيرة الأجل. واعتمادنا ما زال يقوم على المنتجات الصناعية المستوردة من الشرق الأقصى أو الغرب.
وحتى صناعاتنا لا تتعدى كونها مصانع غربية تم تركيبها وتشغيلها على أراضينا وبرؤوس أموال وبإشراف ومراقبة وامتلاك أجنبي قد يصل إلى 100%. فنحن لا نصنع معداتها ولا ننتج موادها في واقع الأمر. وهذا ما يجعلنا نندهش من قفزتنا الخيالية دون سابق إنذار إلى صناعة الطاقة النووية.
فهل نفسر هذا القرار الأخير بأنه جاء نتيجة للابتهاج الإسلامي الكبير لانتصار مقاومي حزب الله اللبناني على أقوى دولة شرق أوسطية ورابع قوة عالمية: (دولة إسرائيل)؟
إلى درجة أنه شعر البعض بأننا من خلال هذا النصر ومن خلال تحطيم أسطورة القوة التي لا تقهر وما ترتب عليه من خيبة أمل وإحباط في الأوساط الإسرائيلية السياسية والعسكرية والمدنية، تصورنا بأننا قد أصبحنا أخيرا قادرين على تحقيق المستحيل وتحدي أقوى دول الكرة الأرضية سطوة. وبأنه آن لنا أن نفرض شروطنا على العالم ومنها القفز مباشرة على امتلاك الطاقة النووية اختصارا للوقت وقبل أن تبرد نتائج الانتصار؟
والذي غاب عن بال الكثيرين أن الحصول على الطاقة النووية للأغراض السلمية له مفهوم آخر في قواميس الدول الكبرى (التي يلعب اللوبي الصهيوني دورا كبيرا في تحديد معانيها) والتي ترى فيه امتلاكا للسلاح النووي والدمار الشامل خاصة إذا كانت الفكرة عربية إسلامية شرق أوسطية أخرج تاريخها للعالم صلاح الدين الأيوبي وجمال عبد الناصر وحسن نصر الله وعزالدين القسام والشيخ أحمد ياسين وأسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهم ممن شكل وجودهم بعثرة لأوراق لعب السياسة الغربية في هذه المنطقة.
إننا لسنا ضد فكرة الحصول على تلك الطاقة ولا حتى على السلاح النووي، أسوة بغيرنا من دول العالم. خاصة بعد امتلاك إيران لها. رغم أن استخدام الطاقة النووية له آثار ونتائج سلبية قد لا تقل خطورة عن استخدام السلاح النووي نفسه، وبأننا نفضل العيش (في طمأنينة وأمن) اعتمادا على أبسط موارد الحياة الطبيعية بدلا من المخاطرة بتنصيب مفاعلات نووية على أراضينا والتي قد تتعرض للعطب في أي لحظة فتدمر الأخضر واليابس .
كما حصل في تشرنوبيل وغيرها. بيد أن المسألة لا تقرر بهذه السرعة ولا بهذا الشكل. فالتوازنات العالمية وبوجود هيمنة أميركية معلنة وصريحة على مجريات الأمور في الشرق الأوسط تفرض علينا اليوم أكثر مما مضى أن نضع في حساباتنا كثيرا من الاعتبارات، كما أن الوضع العربي والإسلامي بشكل عام، في حاجة إلى دراسة بنيته التحتية الأساسية قبل صب قواعد المنشآت النووية.
فما زلنا نفتقر إلى الشوارع المرصوفة والمدارس المتطورة ومصانع المنتجات الأولية والمعاهد الفنية المتخصصة ومازالت البطالة على أشدها والفقر يعم معظم أقطار الأمة العربية رغم إمكانياته الضخمة...
وما زلنا نعتمد على الآخرين حتى في تصريف أمورنا الداخلية. فلا توجد مؤسسة علمية أو أدبية أو إنتاجية إلا ويضع خطوط سياساتها العريضة مستشارون غربيون ويقومون بتوجيهها. وعلينا قبل كل شيء تحسين صورتنا لدى شعوب العالم وترميم ما تم تشويهه، حتى ولو لم نكن السبب المباشر في ذلك.
وعندما سيتمكن طلابنا من السفر بكل أمان إلى المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا أو ألمانيا أو إيطاليا دون أن يتم اعتقالهم دون أي تهمة في مطارات تلك الدول مع أطفالهم وعائلاتهم وإعادتهم إلى بلدانهم التي قدموا منها على أقرب طائرة وإلغاء تأشيراتهم التي منحتها لهم سفاراتها، فعند تلك اللحظة يحق لنا المطالبة بالحصول على الطاقة النووية للأغراض السلمية.
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
