حذر تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) من نشوب حرب أهلية في العراق طرفاها الأساسيان من المتشددين على الجانبين الشيعي والسني، وانطلق التقرير من تطورات الأسابيع الماضية التي شهدت زيادة في إحداث العنف، وبعضها اتخذ طابعا طائفيا واستهدف أماكن مقدسة لدى أصحاب المذاهب الأساسية في العراق. والراهن ان التحذير من خطر الحرب الأهلية كان واحدا من الحجج الأساسية التي انطلق منها المعارضون للحرب الأميركية على العراق.
وكانت حجتهم في ذلك ان النظام البعثي يحكم قبضته على المجتمع العراقي، وان انهيار هذه القبضة يمكن ان تفتح الباب أمام محاولات الأطراف المهضوم حقها وهم بالأساس من الأكراد والشيعة إلى محاولة تعويض الظلم الذي حاق بهم بالقصاص ليس من فلول النظام المنهار ولكن من السنة الذين سيطروا على العملية السياسية مدة تقرب من القرن أي منذ نشأة العراق الحديث وحتى انهيار النظام البعثي السني.
وبالفعل لم يعدم العراق بعد سقوط النظام مباشرة محاولات تهجير جماعي للسنة في بعض المدن ذات الوجود التقليدي والتاريخي للأكراد مثل كركوك والموصل، لكنها في عمقها لم تكن عمليات للانتقام بقدر ما كانت إعادة للأوضاع إلى ما كانت عليه من قبل، حيث سعى النظام البعثي السني إلى تهجير كثافة سكانية من السنة إلى المدن ذات الأغلبية الكردية حتى لا تكون هناك مدن كردية بصورة كاملة تفتح الباب بعد ذلك إلى طلب الحكم الذاتي أو الانفصال للأكراد. والعمليات التي حدثت في العراق خلال الأسابيع السابقة والتي دفعت البنتاعون إلى التحذير من الحرب الأهلية.
وهو ما يعنى في عمقه إعلان منه بالفشل في العراق، تمارس من قبل جماعات مجهولة وان كانت الترجيحات تقول انها مرتبطة بتنظيم القاعدة بعدما نظم هذا الأخير وضعه في العراق في أعقاب وفاة القائد السابق أبى مصعب الزرقاوي، وهي تمثل بالتالي عملية إعلان وجود أكثر من ان تكون لها جدول أعمال منظم يرتقى بعد ذلك ليصبح حربا أهلية بين السنة والشيعة حسبما ذكر البنتاجون في تقريره المشار إليه.
وانطلاقا من ان ممارسي العمليات الإرهابية المنتمين إلى تنظيم القاعدة ليسوا في مجملهم من العراقيين وإنما هم في معظمهم من المنتمين لدول عربية وإسلامية و تعتقد تقارير كثيرة ان نسبة العراقيين فيهم تتراوح بين 30% و 40 % فقط، ومعنى ذلك ان عملياتهم حتى ولو تطورت إلى أكثر مما هي عليه الآن لا يمكن اعتبارها حربا أهلية. فالحرب الأهلية في تعريفها المبسط هو ان تمارس من قبل الأغلبية العظمى من جماعة أثنية أو مذهب طائفي بهدف الانفصال عن الجماعات العرقية أو المذهبية أو الطائفية الأخرى.
ووفقا لما ورد في تقرير البنتاجون ذاته، فان المتشددين داخل السنة والشيعة، المفترض ان تكون هناك حرب أهلية فيما بينهم، هم قطاع هامشي على الجانبين، اما التيار السائد بين الجانبين فهو يفضل حل المشكلات العالقة حول شكل الدولة وهويتها وأيضا حول المشاركة في العملية السياسية بأساليب أخرى غير الأعمال العسكرية أو أعمال العنف.
وقد حاول أبو مصعب الزرقاوي خلال وجوده وعبر استهداف الأماكن المقدسة لدى الشيعة ان يجر الأغلبية الشيعية إلى الحرب الأهلية لكنه لم ينجح في ذلك ولم يجاريه سوى قطاع ضئيل فقط من تيار مقتدى الصدر، ولم تصل المواجهات بين الجانبين إلى خطر الحرب الأهلية.
على الجانب الآخر فان قرار رفع العلم الكردي على الدواوين الرسمية شمال العراق، وهو ان كان يعبر عن نزعة انفصالية إلا انه في نفس الوقت لا يعنى ان الأكراد سوف يحملون السلاح من اجل تحقيقه لان دستور الدولة به مواد متعددة تنظم تطبيق الفيدرالية وتنظم أيضا كيفية تأسيس الأكراد لدولة مستقلة لهم.
ولكي تكون هناك حرب أهلية لهذا الأمر فلابد للقطاعات المحاربة من أطراف خارجية تساعدها سياسيا وتمدها بالسلاح ونعتقد ان هذا الأمر متاح الآن لأي من الأطراف العراقية ماعدا الطر ف السني المتشدد المتمثل في تنظيم القاعدة ولكن ما هو متاح إليه لا يساعده على الحرب الأهلية المفتوحة التي ترقى إلى ما حذر منه البنتاجون في تحذيره السابق الإشارة إليه .
والسؤال الذي لابد من ان يطرح في هذا الصدد هو، لو لم يكن ما يحدث في العراق هو مقدمة لحرب أهلية فما هو التوصيف الدقيق له ؟
والإجابة على السؤال ليست صعبة، فمازال العراق يعيش حتى الآن في فوضى ما بعد انهيار النظام البعثى السابق وهو الآن يشهد عملية بناء دولة على أسس تختلف جذريا عن الأسس التي قامت عليها منذ التأسيس وحتى انهيار النظام، وهذه الفوضى نالت من كافة قطاعات الدولة وتصاحبها عمليات عنف بعضها موجه ليس إلى الدولة العراقية الجديدة، بقدر ما هو موجه إلى المشروع الأميركي في العراق الذي يعد اللبنة الأولى لمشروع أكثر شمولا يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط بكاملها، والمناوشات التي تحدث في العراق حاليا، ونقصد بها ما يحدث بين الأطراف العراقية وليست الأطراف الخارجية.
ما هي الا عمليات من كل طرف لتحسين شروط مشاركته ووجوده في الدولة الجديدة وتحقيق اكبر قدر من المكاسب في هذا الصدد. وهذا الأمر يعنى أنها سوف تظل مستمرة حتى تنتهي مراحل بناء الدولة واستقرارها و بعدها سوف يتعود كل طرف على قواعد اللعبة الجديدة ويبدأ في تحقيق مطالبه من خلالها. وهنا فقط يعود الاستقرار إلى العراق، وينتهي الحديث عن الفوضى أو الحرب الأهلية.
كاتب مصري