رسميا، مازالت الدولة اللبنانية في حالة حرب مع إسرائيل، ومازالت الأخيرة تحتل أرضاً لبنانية منذ عام 1967، كما أنها لم تنكفئ بقواتها بعد إلى جنوب ما يعرف بخط الحدود الأزرق الذي تجاوزته في غضون عدوانها الأخير ضد لبنان.
ثمّ إن الأفق المنظور لا يبشر بقرب التوصل إلى سلام دائم أو حتى تسوية مستقرة بين هاتين الدولتين. وأقصى ما يجري التداول بشأنه في الأروقة السياسية المعنية إقليميا ودوليا، هو إعادة تثبيت وضعية الهدنة الموقعة بينهما عام 1949.
وهناك ما يشبه التوافق العام بين قوى الداخل اللبناني على أن بلدهم هو آخر الدول العربية المرشحة لإبرام معاهدة سلام نهائي مع إسرائيل.
مع ذلك ونحوه مما يؤكد العداء ويوجب التربص المتبادل على جبهة ساخنة جدًا، فإن المسؤولين الإسرائيليين بمستوييهم العسكري والسياسي، لا يكفون أبدًا عن المطالبة بنشر قوات الجيش اللبناني على مرمى النظر والحجر من تخومهم الشمالية.
نحن هنا إزاء مطلب يبدو مخالفا لطبائع الأمور والمألوف والمنطق معًا. فالأصل وما يمكن تفهّمه وتبريره، هو أن يكون هؤلاء أسعد الخلق بإختفاء هذا الجيش عن حدودهم كحد أدنى، أو عدم وجوده في هذه الدولة المعادية بالجوار القريب كحدٍ أقصى !..
نود القول بأن سياسات إسرائيل وموافقتها على بسط سيادة الحكومة اللبنانية وجيشها وصولا إلى الخط الأزرق، لا ينطوي في ظاهره على مقاربة عقلانية إستراتيجيا للعلاقة مع دولة معادية لها وتحكمها حالة حرب معها.. هذا عدا أن إسرائيل كانت دوما حريصة على إزاحة جيوش دول الطوق العربية إلى أبعد نقاط ممكنة عن حدودها.
سواء كانت هذه الدول في حالة حرب مفتوحة معها أم كانت لها معاهدة معها سلميا، وكذا بغض النظر عن وسيلة هذه الإزاحة، بوجود قوات فصل أو طوارئ دولية أو قوات متعددة الجنسيات أم بالإتفاق على مناطق منزوعة السلاح في الجهات العربية. ما الذي يحث إسرائيل إذن على استثناء الحالة اللبنانية من هذا التقليد، بل والغيرة بإلحاح على المضي في الإتجاه المعاكس ؟!.
علم ذلك وتفسيره يقع في أو ينطلق من المنظور الإسرائيلي التقليدي للداخل اللبناني بمصفوفته الطائفية ونظامه السياسي ونمط حكمه المستلهم من هذه المصفوفة، وبالتبعية رؤيتها للجيش ودوره وحدود قوته وصلاحياته في هذا الإطار.
فقد كانت إسرائيل تعتقد بأن لدى لبنان جيشا ليس كباقي الجيوش التي تعمل كبوتقة صهر وطنية ويغادر عناصرها إنتماءاتهم ونوازعهم الطائفية والدينية بمجرد تخطي بواباته والالتحاق به.. وكان مما رسخ هذا التصور فشل هذا الجيش إلى حد كبير في تجنيب الدولة والمجتمع اللبنانيين مغبة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1989.
وتفرق بعض قواه بين الطوائف المتقاتلة ووقوعهم في ضلالات خطابات أمراء تلك الحرب الملعونة، ومغادرتهم دائرة الإنتماء الكبرى للوطن إلى أزقة وحارات الولاءات الإرثية الأولى ما دون الوطنية والقومية الجامعة.
بصيغة أخرى لطالما إطمأنت إسرائيل إلى أن الجيش اللبناني مؤسسة طائفية أخرى، بما يصلح لوظيفة الدرك و الشرطة المحلية الداخلية، لكنه لا يملك مؤهلات الدفاع عن الوطن.. ولعلها إستدلت على هذه القناعة بضمور دور هذا الجيش في حروبها مع العرب بعد عام 1948، وافتقاره المستمر لمحفزات هذا الدور حجما وتعبئة وتسلحا وتدريبا وعناية من الدولة.
والحق أن هذا التقدير الإسرائيلي لم يكن بلا أساس من الواقع. يشهد بذلك مثلا تصريح حديث للرئيس إيميل لحود، الذي قاد الجيش اللبناني غداة الحرب الأهلية، جاء فيه «إن تكوين جيش لبناني قوي كان من الصعوبات التي واجهتني، إذ كان الجيش عبارة عن لواءات طائفية منفصلة، فطلبت إنصهار الطوائف فيه وعدم الفصل بينهم».
ندرك من ذلك أن للموقف الإسرائيلي من الجيش اللبناني، دوره ووظيفته، باطن وجوهر وبواعث مكنونة تغاير تماما ظاهر خطابها المعلن بهذا الخصوص.
إسرائيل ليست على إستعداد بالمرة لإستقبال جيش حقيقي، يضطلع بمهام دفاعية أو هجومية وقائية أو رادعة لها على جبهتها الشمالية. ما تريده إسرائيل هو جيش ديكوري يكاد يؤدي وظيفة القوات الدولية ذاتها كما نص عليها قرار مجلس الأمن 1701. ولا مانع لديها، والهدف كذلك، من دخول هذا الجيش في مماحكات ومنازعات مع قوى المقاومة والممانعة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله، تستهلكه و تستنفذه وهذه القوى معًا.
فيما يظل لبنان (الدولة) أرضه وسماؤه وبحره مستباحًا لها على مدار الساعة. تمامًا كما كان الحال في زمن الهدنة التي يجري الحديث عن إستعادته وكأن شيئا لم يحدث في قرابة الستين عامًا الماضية !..
من يساورهم الشك في صحة هذا التقدير، ما عليهم إلا أن يتخيلوا أي إنقلاب في موقف تل أبيب من الجيش اللبناني، إذا ما اقترنت عملية إنتشاره جنوبا بالدعوة إلى تأهيله من حيث العدد والعتاد ونظم التسلح والعقيدة القتالية، بما يكفل له مواجهة الإختراقات الإسرائيلية بفاعلية ترقى إلى صيانة أمن لبنان واستقلاله وسيادته حقيقة لا كلامًا.
فليجرب هؤلاء ولو من قبيل الإستطلاع والمناورة تبني هذه الدعوة، ولينظروا عندئذ ما تقوله إسرائيل بهذا الصدد وليتأملوا في رد فعلها المحموم على احتمال وجود جيش لبناني قادر على ردع عربدتها بالجوار.
كاتب وأكاديمي فلسطيني