بقيت الإمبراطورية العثمانية تسمى بالرجل المريض طوال أكثر من قرن حتى تفككت وتلاشت وورثتها تركيا الكمالية التي حاولت سلخ جلد الإمبراطورية بعد أن لبسته طوال أربعة قرون واضطرت للتخلي عن (مستعمراتها وممتلكاتها) في شرق أوروبا وشمال إفريقية وغرب آسيا، ولم تنفع المحاولات المتأخرة لجمعية الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة وغيرهما في إنقاذ السلطنة.
يجمع الدارسون والمؤرخون أن نهاية السلطنة كانت يمكن أن تكون مختلفة أو أقل إيلاماً عليها مما حصل لو استجاب النظام السياسي العثماني أو الطبقة الحاكمة طوال القرن التاسع عشر لمطالب الإصلاح وأصوات المصلحين أحزاباً وأفراداً وتيارات ثقافية واستدركت انهيار الإمبراطورية بعد مرض طويل، أي لوعالجت أمراضها وواجهت صعوباتها مواجهة صادقة ومسؤولة.
لكن السلطة والطبقة الحاكمة أصرت على الاستمرار بالاستبداد وإلغاء الحريات ومنع الأحزاب ورفض اللامركزية وتجريم من يتحدث بالديمقراطية ورعاية الفساد واتباع نظام الالتزام وبيع المناصب والسخرة وحرمان شعوب الإمبراطورية من حقوقها القومية أو التعلم بلغاتها وتجاهل ثقافاتها.
ورفض الإصلاح الدستوري وفصل السلطات واللامركزية، وما لبثت هذه الأخطاء أن أوقعت المرض بجسم السلطنة فتراجع اقتصادها وشحت مواردها وازداد فقر سكانها وضعفت جيوشها، وبدأت الشعوب المحتلة من قبل الإمبراطورية تثور شعباً تلو الآخر، فحلت الهزائم بجيوش الإمبراطورية العثمانية في البلقان وفقدت سيطرتها على دول أوروبا الشرقية وخسرت في حربها مع روسيا وفقدت سيادتها على شمال إفريقية لصالح الاستعمار الأوروبي.
وخرجت مصر من تحت عباءتها واكتفت السلطنة بجعالة يرسلها حكام مصر سنوياً لخزينتها (وبالمناسبة بقيت هذه الجعالة ترسل حتى بعد ثورة يوليو) ووجد الغربيون فرصتهم في التدخل في شؤون السلطنة منذ نهاية القرن الثامن عشر، فأرسلوا القناصل وحصلوا على امتيازات سياسية واقتصادية لهم ولبعض الفئات من مواطني الإمبراطورية العثمانية (وتصرفوا كمندوبين ساميين لدولهم).
وقد ضغط المصلحون من أجل إصلاح دستوري وسياسي كمنطلق للإصلاح بشكل عام فصدر خط شريف كولخانة الذي يتضمن إصلاحات دستورية وسياسية وديمقراطية لكنه لم ينفذ ولم تعقد المجالس التي نص عليها ولا جلسة واحدة، وبعد عشرين عاماً صدر خط شريف همايون دون أن يطبق منه شيئاً.
وفشلت محاولات الإصلاحيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولم تنفع جهود مدحت باشا ولا تياره السياسي في إنقاذ الموقف فوصلت الإمبراطورية العثمانية إلى نهاية الطريق وهي النهاية الحتمية الناجمة عن كل هذه الأمراض فتفسخت وتفتت ثم ماتت ودفنها مصطفى كمال أتاتورك عام 1924 بعد أن ترأس ما بقي منها وهي الجمهورية التركية.
مع اختلاف الظروف والزمان والمكان والأحداث ومع الفروق الكبيرة بين الدول العربية الحالية وبين الإمبراطورية العثمانية وشعوبها المختلفة، ومع الاعتراف بالظروف الدولية الراهنة وأساليب صراع القوى الكبرى ومطامعها والأخذ بعين الاعتبار التطور العلمي والتقني والمعرفي في عصرنا واختلاف المشكلات التي كانت والتي هي قائمة الآن، رغم هذا كله يمكن إجراء بعض المقاربة بين الحال العثماني الذي أشرنا إليه وبين حال أمتنا العربية الراهن.
مازالت معظم أنظمتنا السياسية تماطل في تحقيق الإصلاح الدستوري والسياسي وخاصة منه فصل السلطات والاعتراف بالحريات والتعددية والديمقراطية، وتتخذ مراسيم هنا وقرارات هناك (كالخطوط الشريفة العثمانية) دون أن تطبقها أو تأخذها على محمل الجد، ومازالت مواجهة الفساد أضعف من ضعيفة، فالفساد الحالي في الدول العربية يشبه ما كان عليه الحال أيام السلطنة.
وإن كنا لا نعترف بنظام الالتزام والتلزيم ببيع المناصب فإننا نمارسها بصيغ أخرى، ومع أن السخرة ممنوعة رسمياً لكنها ممارسة فعلياً، وكما أخذت الإمبراطورية العثمانية تفقد أطرافها بدأنا نفقد أطراف بلداننا في العراق والسودان وغيرهما لأننا أنكرنا على أبناء شعبنا من القوميات الأخرى حقوقهم واضطررناهم للثورة وطلب الانفصال، وقضمت الصهيونية أربعة أخماس فلسطين وهي بطريقها لقضم الخمس الأخير.
وكما أثارت الإمبراطورية العثمانية الفتنة الطائفية والعشائرية والإقليمية هاهي هذه الفتن بدأت تطل برأسها، ونشهد بأم العين تدخل السفراء الأجانب بشؤوننا تماماً كما كان القناصل يتدخلون، ويتراجع دور أمتنا العالمي كما تراجع دور السلطنة حتى اضمحل، وفي الخلاصة كأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بشكل مختلف متناسباً مع ظروف الزمان والمكان وشروط التطور الإنساني.
لو صحت هذه المقاربة التاريخية يصح القول إن أمتنا ودولنا رجل مريض وإن لم تعالج أمراضها فستزداد ضعفاً وربما تتبعثر شذر مذر وتنتهي لكوارث لا يستطيع أحد تقدير أبعادها ونتائجها.
هل هذا هو ضرب من ضروب التشاؤم.. ربما يكون كذلك، وربما تكون المقارنة بين الإمبراطورية العثمانية ودولنا العربية القائمة إسقاطاً في غير محله، لكنه بالتأكيد مقاربة تدعو للتأمل وأخذ العبر والاستفادة من تجارب التاريخ لحل مشكلات الحاضر والمستقبل، ومن غير الحكمة تجاهل تجارب التاريخ وأحداثه.
لا نحتاج لاجتراح العجائب لتحديث دولنا، ولا أعني بالتحديث زيادة أعداد مطاعم الأكل السريع أو امتلاك أفضل أنواع السيارات أو تطوير البنية التحتية الخدمية، وإنما قبل ذلك أعني التحديث الدستوري الذي ينطلق من أن المواطنة هي مرجعية المرجعيات وأن المواطنين هم مواطنون متساوون أحرار والاعتراف بالحريات والتعددية والحق بتأسيس الأحزاب وتبني الأسلوب الديمقراطي في مختلف جوانب الحياة وفصل السلطات وتعزيز الرقابة الإعلامية والصحافية ورقابة مؤسسات المجتمع المدني على إدارة الدولة والمجتمع ومحاربة الفساد.
وقبل هذا وذاك إجراء حوار وطني مستدام في كل بلد من بلداننا وصولاً لتوافقات وطنية ووحدة وطنية، تنبع منها وبفضلها مشاريع الإصلاح الاقتصادي والإداري والثقافي والاجتماعي وغيرها، وعندما يتحقق ذلك تستطيع بلداننا تطوير إمكانياتها وتحديث مجتمعاتها ورفع المستوى المعاشي لسكانها ومواجهة الضغوط الخارجية والتدخل الأجنبي مهما كان حجمه ونوعه.
فعندما يقطف الناس ثمرات المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وحق الرقابة والمحاسبة ويتمتعون بالحرية ويشعرون بالكرامة ويمارسون حياتهم في إطار التقاليد الديمقراطية يتعذر عند ذلك اختراق مجتمعاتهم وينقلب ضعفهم إلى قوة ولن يعود بعدها دور للخارج بسفرائه وقناصله وقواته في رسم مستقبلها كما يحدث هذه الأيام.
لقد استفحل المرض حتى كأننا عدنا إلى أيام حكم المماليك بعد سقوط الدولة الأيوبية، وحتى أولئك المماليك استطاعوا رد الغزوة المغولية في عين جالوت (رحم الله قطز) وربما كان الوصف الأقرب هو كأننا عدنا إلى عصر ملوك الطوائف في الأندلس.. والنهاية معروفة.
كاتب سوري