يحار المرء كثيراً في فهم آليات وطرق عمل الدبلوماسية العربية في الفترة الأخيرة، والسبب أن هذه الدبلوماسية تعمل في أوقات كثيرة بصورة تجعلها أقرب إلى الكوميديا منها إلى الجد، هي كوميديا لا تجعل المتابعين يضحكون، بل يموتون ألماً في مرات كثيرة.

في بدايات العدوان الإسرائيلي على لبنان اجتمع وزراء الخارجية العرب في لقاء طارئ في القاهرة، وصدر عن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى القول إن «عملية السلام ماتت»، ثم أردف ذلك بالقول إن العرب سوف يذهبون بالقضية إلى الأمم المتحدة. وفي الأيام الأخيرة بدأ الفلسطينيون ورئيس سلطتهم محمود عباس في ترديد المقولة نفسها، وهي إعداد مبادرة والذهاب بها إلى الأمم المتحدة.

وحتى هذه اللحظة لا أفهم كيف يمكن لعملية ماتت أن يتم إحياؤها في الأمم المتحدة.. هل يمكن لفأر أن يذهب إلى الذئب كي يطالب بحقه، ويعتقد أن الذئب سوف يستقبله ويرحِّب به، بل ويعطيه حقه؟!

يُفترض أن إيمان النظام الرسمي العربي بموت عملية السلام يستتبع اتخاذ إجراءات أخرى كثيرة ليس من بينها بالمرة الذهاب إلى الأمم المتحدة، لأنه يُفترض بالمؤمن ألا يُلدغ من الجحر مرتين، فما بالك بمن لُدغ آلاف المرات؟!

الحكومة العربية على اختلاف درجاتها واختلافاتها جرّبت منذ النكبة عام 1948 وراهنت كثيراً على الأمم المتحدة، أو ما يُعرف بالمجتمع الدولي، وكانت النتيجة صفراً كبيراً يتم استنساخه كل مرة.

بعد هزيمة يونيو 1967 قبل العرب مبادرة روجرز، ولم تؤد إلى شيء، وكانت النتيجة هي الاحتكام للسلاح في أكتوبر 1973.. لكن الدماء العربية الطاهرة التي سالت فوق سيناء والجولان، سرعان ما تم إهدارها سياسياً بمفاوضات فك الاشتباك، ثم الحديث عن مؤتمر دولي في جنيف، وكانت النتيجة صلح السادات المنفرد مع الإسرائيليين وذهابه إلى القدس عام 1977 الأمر الذي أدى بدوره إلى كامب ديفيد.

التفاوض مع الإسرائيليين لم يردعهم عن اجتياح لبنان عام 1982 أو قصفهم للمفاعل العراقي النووي عام 1981.

السلاح العربي أصيب بالصدأ في مخازنه، ولذلك ذهب العرب إلى مدريد عام 1991 وكانت النتيجة اتفاق أوسلو عام 1993 ثم وادي عربة عام 1994 ثم توالى التطبيع العربي مع العدو الصهيوني الذي حقق اختراقات واسعة تحت شعار مخدر هو الشرق الأوسط الجديد.

الذئب الإسرائيلي ـ الأميركي لم يتغير، الذي تغير هو الحمل العربي الذي ازداد وداعة واستسلاماً. وكانت النتيجة إعادة احتلال فلسطين ودفع عرفات للموت كمداً أو غيلة، ثم محاصرة السلطة الفلسطينية وحكومتها المنتخبة. وأخيراً تدمير لبنان.

حدث كل ذلك والعرب يواصلون التفاوض مع العدو لاعتقادهم أنه يمكن أن يتغير بالتفاوض والكلام المعسول عن السلام والاستقرار.

إذا كان هذا العدو لم يقبل بسلام حقيقي طوال المفاوضات المستمرة منذ عام 1977، فهل سيقبل بقرارات الأمم المتحدة إذا ذهب العرب إليها؟!

لنسأل أنفسنا نظرياً.. ماذا سيحدث لو ذهب العرب إلى الأمم المتحدة؟

هناك طريقان لا ثالث لهما: الأول أن يذهبوا بقضيتهم إلى الجمعية العامة، وهي في أحسن الأحوال ستصدر ما يشاء العرب من قرارات، لكنها مجرد قرارات وتوصيات أخلاقية لا قيمة لها. صدر منها مئات القرارات التي تدين إسرائيل لكن الأخيرة لم تكلف نفسها حتى عناء الرد عليها.

الثاني أن يذهب العرب إلى مجلس الأمن.. وهناك سوف يصطدمون بالفيتو الأميركي الشهير الذي أصبح يزايد حتى على التشدد الإسرائيلي.

هل سألت الدبلوماسية العربية الرسمية نفسها ماذا سيحدث بعد ذلك؟!

أصبح معروفاً للجميع الآن أن إسرائيل تحتمي بقوتها العسكرية والحماية الأميركية والصمت العربي الرهيب وأحياناً المتواطئ.

إذا كان العرب هم أول من يعرف ذلك فلماذا يضيعون القوت ويضحكون على شعوبهم بملهاة الذهاب إلى الأمم المتحدة؟

أليس مجلس الأمن هو الذي سرق الانتصار اللبناني الأخير ويحاول بشتى الطرق تحويله إلى انتصار سياسي إسرائيلي؟

أليس مجلس الأمن هو من يحاول الآن احتلال السودان تحت بند القوات الدولية في دارفور؟

المعادلة بسيطة وواضحة.. هذا المجتمع الدولي ومنذ الأزل لا يؤمن بمسألة الحقوق بل إنه غير قادر على تنفيذ قراره الشهير 242 بشأن الدولة الفلسطينية.

هذا المجتمع يؤمن فقط بالقوة. خصوصا في ظل فلسفة الإدارة الأميركية الراهنة.

إذن ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك.

الحقوق تنتزع ولا توهب.. وما فعلته المقاومة اللبنانية مؤخراً خير دليل على ذلك.

أيها الدبلوماسيون العرب الرسميون.. كفى تضييعاً للوقت وصارحوا أنفسكم وشعوبكم بالحقيقة.

emadiraqi@yahoo.com