بعد يومين تحل الذكرى الخامسة لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت بعضاً من رموز القوة الأميركية التي تتمثل في برجي التجارة العالمية ومقر البنتاغون الأميركي.
الحدث المفجع والمدان بالتأكيد، شكل بداية تحول في السياسة الأميركية وفي العلاقات الدولية، ونحو اعتماد القوة سبيلاً لفرض العولمة، وقيادة الولايات المتحدة المتفردة للعالم الذي ينبغي إخضاعه.
الإدارة الأميركية التي تميزت بالتطرف، انطلاقاً من انتماء رموزها لتيار المحافظين الجدد، وجدت في ذلك العمل الإرهابي، مبرراً لحسم الخيارات التي كانت مطروحة أمام المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين الذين انقسموا إلى تيارين.
الأول يرى ضرورة أن تركز الولايات المتحدة جهودها على تطوير قدراتها الاقتصادية والعسكرية، والأخلاقية والثقافية والإعلامية، للارتقاء بمستوى حياة الأميركيين على مختلف الصعد، وفي الوقت ذاته عدم السماح بنشوء تحديات دولية أخرى للدور القائد الذي ينبغي أن يعترف به الجميع للولايات المتحدة. ووفق هذا التيار فإن على الإدارة الأميركية أن تتعامل مع العالم الخارجي انطلاقاً من مبدأ الاحتواء لكن ذلك لا يعني أن على الولايات المتحدة أن تتساهل مع أي تهديد ينشأ لمصالحها وأمنها وسياستها.
التيار الآخر، يرى أن تمكين الولايات المتحدة من لعب دور قيادي عالمي متفرد تستحقه بسبب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية الهائلة، يقتضي الخروج بالقوة العسكرية إلى خارج الولايات المتحدة، وبهدف إخضاع الدول والكتل السياسية الأخرى بما في ذلك أبناء جلدتها من القوى الرأسمالية التي تتحالف معها سواء أوروبا الغربية، أو اليابان فضلاً عن بقايا المعسكر الاشتراكي المتحول، ودول العالم الثالث الفقيرة.
الخروج إلى ما وراء الحدود يقتضي وجود مبرر، عدو ما، تهديد، جاءت أحداث سبتمبر 2001، لكي توفره، إذ سرعان ما جرى بلورة عدو هلامي، سمي بالإرهاب الدولي الذي يهدد الحضارة الغربية وقيم الحرية والديمقراطية التي تنصب الولايات المتحدة نفسها لحمايتها وتعزيزها وتعميمها.
محاربة الإرهاب العالمي، العدو الجديد، بعد غياب المنظومة الاشتراكية التي انهارت آخر قلاعها عام 1989، وانهيار جدار برلين، اقتضت إقامة تحالفات، وإرساء أنظمة تتجاوز الأمم المتحدة إطاراً وقيماً، حين تتشكل عقبة أمام تجريد الحملات العسكرية في مختلف أنحاء العالم، من أجل محاربة الإرهاب. وحتى تنفلت السياسة الأميركية وتتحرر من أية قيود، تفضل الإدارة الأميركية التهرب من تحديد وتعريف الإرهاب، فضلاً عن أنها لا تلتزم بالتعريفات الدولية، رغم أن هذه تحتاج إلى تطوير.
على أن الحرب العالمية التي أعلنتها الولايات المتحدة، وتشكل جوهر سياستها الخارجية وتقتضي سنوات وسنوات، قد تضطر فيها الإدارة الأميركية لخوض الكثير من الحروب الشاملة والجزئية، وتقتضي أيضاً جر الآخرين بما في ذلك حلفاؤها إلى ميادين الحرب لكي يدفعوا هم أيضاً أثمان الدفاع عن قيم الحضارة الغربية، هذه الحرب العالمية اتضح بعد خمس سنوات أنها تتركز أساساً في منطقة الشرق الأوسط.
خلال السنوات الخمس، لم تخض الولايات المتحدة حروباً في أميركا اللاتينية، لا ضد كوبا التي تخضع للحصار منذ أكثر من خمسة وأربعين عاماً، ولا ضد فنزويلا شافيز الذي يناصبها العداء ويجاهر في ذلك، ولا ضد التغييرات اليسارية التي وقعت وتقع في عدد من بلدان أميركا الجنوبية وبدون أن يعني ذلك رضى الإدارة الأميركية عما يجري. أوروبا خارج مسار الحروب الشاملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد ما تسميه بالإرهاب العالمي.
وكذلك الحال بالنسبة لشمال وشرق وجنوب أسيا. أفريقيا عموماً ورغم ما تشهده القارة الفقيرة من نزاعات وصراعات من كل نوع، كانت أيضاً بعيدة عن حروب الولايات المتحدة ضد الإرهاب العالمي. وحتى حين أعلن الرئيس بوش من يعتبرها من الدول محور الشر.
وكان المحور يشمل كوبا وكوريا الشمالية فضلاً عن دول أخرى شرق أوسطية، فإن إدارته لم تقم بأي عمل حربي ضد هذه الدول، بل وتفضل التعامل مع الملف النووي الكوري الشمالي من خلال المفاوضات، وهذا على عكس ما تفعله ضد دول الشرق الأوسط. الولايات المتحدة التي تبدي اهتماماً بالملف النووي الإيراني.
وتذهب في استعداداتها لمواجهته إلى حد اتخاذ إجراءات وعقوبات، في حال أخفقت في اتخاذ مثل هذه العقوبات من خلال مجلس الأمن الدولي، هذه الولايات المتحدة نفسها وبقيادة الإدارة الحالية، تغاضت على الملف النووي الباكستاني والهندي، رغم أنهما تمتلكان أسلحة نووية، وهي تتعامل بقدر من التفهم مع الملف النووي الكوري الشمالي، فيما تصمت تماماً عن القدرات النووية الإسرائيلية.
لا شك أن امتلاك المزيد من الدول مقدرات نووية تستخدم لأغراض عسكرية، أو قد تستخدم لتهديد مصالح وأمن الآخرين، هو أمر يضاعف احتمالات الخطر على أمن البشرية واستقرارها لكن منع ذلك يقتضي وجود معاييرعامة متفق عليها ويجري تطبيقها في كل الحالات، غير أن ما يجري واقعياً يختلف تماماً ويخضع لازدواجية المعايير والسلوك.
ونعتقد أن الولايات المتحدة تخضع سياستها إزاء الملف النووي الإيراني لحسابات، وهي كانت ستبادر إلى شن حرب مدمرة ضد إيران، لو أنها كانت قادرة على أن تفعل ذلك، بدون أن تجر مثل هذه الحرب إلى ويلات ومخاطر على مصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة أساساً وفي العالم بشكل عام. التركيز الأميركي على منطقة الشرق الأوسط في حروبها ضد الإرهاب.
لا شك جاءت مبرراته في الإطار الإستراتيجية الأميركية، ولتحقيق أهدافها ومصالحها ليس فقط المباشرة التي تتصل بمنابع وخطوط وطرق وتجارة النفط، وإنما غير المباشرة أيضاً لإخضاع الكتل الاقتصادية النامية والمزاحمة لها من أوروبا الغربية واليابان إلى الصين عملاق القرن، وروسيا.
إن الإدارة الأميركية تدرك أن الهيمنة على الجزء الأكبر من منابع وتجارة النفط، من شأنها أن تجعل الولايات المتحدة متحكمة في بعض أهم شرايين الصناعة والإنتاج والتطوير، ولهذا لم يكن صدفةً أن تنحصر الحروب ضد الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط الذي يحتوي على الجزء والمخزون الأكبر من النفط العالمي.
وإذا كانت الحرب ضد الإرهاب، قد اقتضت البدء بأفغانستان باعتبارها القاعدة الأساسية المتهمة بتفجير برجي التجارة العالمية والبنتاغون في الولايات المتحدة، وفيها يقيم حراً أسامة بن لادن، الذي لقي كل ترحيب ودعم من نظام طالبان، فإن الحروب الأخرى اقتضت خلق الذرائع لتحقيق الأهداف ذاتها، حتى لو كانت هذه الذرائع واهية، ومن السهل كشف زيفها وكذبها وبطلانها.
في حربها التدميرية الاحتلالية ضد العراق، أثارت الإدارة الأميركية فزاعة البرنامج النووي العراقي، وشنت الحرب، رغم أن لجان التفتيش التي أقرتها وأرسلتها الأمم المتحدة، لم تجد ما تدعيه الإدارة الأميركية، وفي وقت لاحق اعترف وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول، بأن الإدارة الأميركية أقدمت على غزو العراق رغم علمها بعدم وجود ما يؤكد مزاعمها بشأن الملف النووي العراقي.
وإذا كان لكل حرب أن تحضر لميدان حرب استباقية أخرى مبررة أميركياً، فقد وضعت إدارة الرئيس بوش وفق معايير تتصل بالمصالح الأميركية، معظم إن لم يكن كل قوى المقاومة العربية خصوصاً في فلسطين ولبنان، على لائحتها للمنظمات الإرهابية، ليصبح بعد ذلك كل من يؤيد أو يساعد أو يدعم أياً من هذه القوى، يستهدف بالعقوبات أو الحرب.
على أن هذه السياسة اتخذت أبعاداً خطيرةً جداً، وتهدد بصراع مفتوح، حين تحدث الرئيس بوش عن الحروب الصليبية والإسلام الفاشي، ذلك أنه ذهب إلى مرجعيات عقائدية تتصل بأفكار المسيحيين الجدد.
هكذا تشن الحرب والحصار ضد فلسطين تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وأيضاً ضد لبنان بناءً للذريعة ذاتها، وتواجه إيران وسوريا حملات دعائية وسياسية وتهديدات قوية تستهدفها، وهكذا غدت ساحة الشرق الأوسط خصوصاً العربية منها مسرحاً لصراعات دموية داخلية مدعومة من الخارج، وعمليات إرهابية لا تسلم منها دولاً كالسعودية لا يمكن اتهامها بالتطرف ودعم الإرهاب.
وهكذا أيضاً يصبح من الضروري توسيع الدور الذي يمكن أن تلعبه في المنطقة إسرائيل، إضافةً إلى الانتشار الواسع للوجود العسكري الأميركي، كقواعد وقوات، والذي يشمل معظم منطقة الشرق الأوسط من تركيا إلى العراق، وأفغانستان والباكستان ومعظم دول الخليج.
والحال أن أحداً لا يعلم عن دولة تستثنيها الإدارة الأميركية من مخططها لإعادة صياغة الشرق الأوسط من جديد، خصوصاً بعد أن أصبحت السعودية هدفاً للتحريض من قبل بعض الأوساط الأميركية النافذة. هذا فضلاً عن أن إثارة التهديدات والحروب في المنطقة من شأنه أن يمتص فائض الأموال العربي من خلال الرغبة في التسلح، الأمر الذي يؤدي إلى إنعاش الصناعات الحربية والصناعات المرتبطة بالنفط في دول الغرب الرأسمالي ويترك دول المنطقة رهن بالرضا الإسرائيلي الأميركي.
بعد خمس سنوات على أحداث سبتمبر، وجملة من الحروب خاضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، تركزت على منطقة الشرق الأوسط والدول العربية أساساً، يمكن القول ان هذه المنطقة مفتوحة على المزيد من الحروب والتهديدات والفوضى، ولكن نجاح السياسة الأميركية ليس قدراً كما لاحظنا من نتائج الحروب السابقة والتي لا تزال مفتوحة.
لقد أدت الحرب الأميركية ضد ما تسميه بالإرهاب إلى اتساع نطاق الكراهية والحقد على السياسة الأميركية والإسرائيلية، ليس في المنطقة العربية وحسب وإنما على مستوى شعوب العالم. إن إحلال الحرب بدل الحوار والتفاهم ولغة المصالح والقانون، من شأنه أن يحيل العالم إلى ساحة واسعة من الفوضى، وعدم الثقة، ويهدد السلام في كل مكان فهل يتعظ دعاة الحرب؟
كاتب فلسطيني