يجاهر إيهود أولمرت أنه استطاع أن يجبر السيد حسن نصرالله أن يحتمي في ملاجئ وأقبية تحت الأرض، فيما هو يتمتع بكامل حريته وذلك للرد على الأصوات المنتقدة له. ويفاخر رئيس حكومة إسرائيل خلال تفقده المستوطنات التي تعرضت لقصف صواريخ حزب الله في طبريا،
وتوسله شخصية الأب الحنون خلال مجالسته للأطفال المستوطنين على مقاعد الدراسة في كريات شمونة لاستعطاف الأصوات المتصاعدة بالداخل الإسرائيلي التي باتت تطالبه صباح مساء بالتنحي والاعتراف بالفشل الذريع بقيادته للحرب المتوحشة ضد الآمنين والمدنيين والأطفال والشيوخ في لبنان.
ليس ثابتاً حتى الآن أن قائد المقاومة يحتمي بالملاجئ المظلمة لحماية نفسه من البطش الأولمرتي، فقد كشفت الصحافية مريم البسام من تلفزيون «نيو تي في» التي أجرت معه حديثاً مطولاً أن الرجل استقبلها في شقة عادية
ممتلئة بالنور والهواء وأشعة الشمس، مسقطة كل الخرافات والشائعات الضالة والمضللة التي بدأ ببثها الإعلام الصهيوني للنيل من شخصية الرجل الذي تحول إلى رمز للمقاومة والممانعة وحطم مع رجاله أسطورة الجيش الذي لا يقهر ولا يهزم.
بالتأكيد فإن الرجل يتخذ احتياطات حماية في غاية الدقة، وهي أمور بديهية وقد قال في أكثر من مناسبة وكان آخرها لقناة الجزيرة: إنه من «طلاب الشهادة»، ولكن في موقعه لا يريد أن يعطي للعدو انتصاراً مجانياً يتباهى به، وخصوصاً أن أولمرت أعلن في خطاب وقف العمليات العسكرية والموافقة على القرار الدولي 1701 أنه سيلاحق حسن نصرالله ورجاله في كل مكان وزمان،
وأنه لن يعتذر لأحد عن الجرائم التي ارتكبها في قانا ومروحين وصريفا وصور والدوير وبنت جبيل والضاحية الجنوبية من بيروت، فيما كان أحد الضباط في الجيش الإسرائيلي واضحاً إلى حد الوقاحة عندما قال مهدداً: إن إسرائيل لن يهدأ لها بال قبل قتل حسن نصرالله أو وضعه في السجن،
لهذا ليس لأحد الحق في أن يناقش بالوسائل التي يعتمدها الرجل لإبعاد الأذى عنه، وعن المحيطين به، كما إن محاولات أولمرت الإيحاء بأن حسن نصرالله يسكن تحت الأرض ما هي إلا محاولة مكشوفة لإظهار الرجل بأنه من طلاب الحياة، وإنه كان السبب في قتل العديد من الأطفال اللبنانيين، بينما هو يلوذ بكل الوسائل للحفاظ على نفسه.
وقد اعترف العديد من المعلقين الصحافيين والمراقبين داخل إسرائيل أن حكومة أولمرت تعمدت الوحشية للتسبب بهذا الدمار الهائل، وارتكبت المزيد من المجازر بحق المدنيين للتأثير على نفسية الرجل ومعنوياته ولتحريض الرأي العام للتحرك ضد المقاومة.
وبالفعل فقد انبرى نفر من الكتاب داخل لبنان وخارجه لتحميل المقاومة وحسن نصرالله هذه المجازر، في الوقت الذي لجأت فيه حكومة أولمرت إلى فرض رقابة صارمة على سير المعارك داخل إسرائيل، وشاهدنا الجيش الإسرائيلي الذي كان يقتاد صحافيين ورجال إعلام إلى التحقيق والسجن لنشرهم أخباراً لم تمر على الرقابة وتعتبر من الأسرار العسكرية.
لهذا كنا نشاهد صورة واحدة على معظم الشاشات العالمية من أن إسرائيل فيما كنا نلمس التعتيم على أخبار الطائرات الإسرائيلية التي كانت تسقط وكسر هيبة دبابة الميركافا التي حققها رجال المقاومة في موقعة «وادي الحجير»
وقتل عشرات من جنود غولاني في عيتا الشعب ومارون الراس وبنت جبيل والطيبة إلى جانب المئات من الجرحى التي أخفتها قيادة الجيش الإسرائيلي واعتبرتها من الأسرار العسكرية، كما فرضت التعتيم الكامل على صور الدمار في المستوطنات
وفي داخل المدن التي بقيت تتعرض لصواريخ المقاومة حتى اللحظات الأخيرة من الإعلان عن توقف النار بين الجانبين. هذا مع العلم أن إسرائيل تقدم نفسها دوماً للعالم بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وحامية للحرية.
لكن هذه الحرب أهم ما كشفته أنها أظهرت إسرائيل على حقيقتها بأنها دولة فاشية تكمم الأفواه وتزور الحقائق وتعتدي على الحريات. ولهذا ليس من عجب أن استطلاعات الرأي في إسرائيل أظهرت أن الإسرائيليين كانوا يصدقون حسن نصرالله أكثر من قادتها، ولهذا كانوا ينتظرون ظهوره على الشاشات بفارغ الصبر ويصدقون كل كلمة ينطق بها.