حتى يومنا هذا لا يستطيع جو ليبرمان أن يتفهم الأمر. فالسيناتور الديمقراطي الذي يمثل ولاية كونكتكت في مجلس الشيوخ منذ 18 عاما يخوض غمار معركة من أجل مستقبله السياسي خلال الانتخابات الأولية للحزب الديمقراطي. فهو يهاجم خصمه نيد لامونت، وهو رجل أعمال من الولاية نفسها، لأنه يرى أن حملته الانتخابية تقوم على قضية أحادية، وهي معارضة الحرب في العراق.

غير أن حرب العراق ليست قضية أحادية، وإنما هي قضية محورية سواء للدولة أو للحزب الديمقراطي. إنها تمثل انهيارا كارثيا في السياسة الخارجية الأميركية. فتلك الحرب قد جعلت سياستنا تتمحور حول مفهوم عدواني يقوم على مبدأ «الحرب الاستباقية».

حرب العراق أبعدتنا عن حلفائنا وبثت بذور الكره ضدنا بين ملياري مسلم يعيشون في مختلف أنحاء العالم. إن هذه الحرب أضعفت موقفنا الدبلوماسي وأجبرت قواتنا على القيام بعملية احتلال موسعة تحدث تحت نيران حرب أهلية، لم تتدرب على مواجهتها تلك القوات وليست لديها الاستعداد الكافي للتعامل معها.

لقد نالت تلك الحرب من نفوذنا الخارجي كما يتضح بشكل جليّ في حرب لبنان والعراق وكلفتنا مقتل أكثر من 2700 أميركي وإصابة ما يزيد على 20 ألفا آخرين إلى جانب مقتل ما يقرب من 50 ألف عراقي، وذلك بمعدل يصل الآن إلى 100 قتيل يوميا.

وعلى الساحة الداخلية، فإن تلك الحرب قد أربكت أولوياتنا المتعلقة بالميزانية. لقد أنفقنا نحو300 مليار دولار بالفعل على هذه الحرب، وذلك في الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى أن حجم الإنفاق من المحتمل أن يتعدى تريليون دولار.

ويحدث هذا في الوقت الذي نقوم فيه بتقليص حجم الإنفاق على الناجين من إعصار كاترينا ونرفع معدل الفائدة المصرفية على قروض الطلبة ونُحجّم من قدرة الأطفال الفقراء على الحصول على الخدمات التعليمية في مرحلة ما قبل الالتحاق بالمدرسة. إن الميزانية هي بمثابة بيان يوضح خياراتنا الأخلاقية، وما يحدث حاليا يعد خيارا غير أخلاقي بكل المعايير.

إن مأساة العراق توضح ما استشرى من محسوبية وفساد وعدم كفاءة داخل أروقة إداراتنا الحاكمة. فقد حصلت شركات على مليارات الدولارات بفضل حرب العراق، مثل شركة هاليبرتون التي اتهمتها البنتاغون بالتزوير في العقود

وعلى الرغم من ذلك جددت معها تلك العقود التي تُبرم من دون أي مناقصات تتيح لشركات أخرى التنافس معها، فقد تلاعبت الإدارة الأميركية في المعلومات الاستخبارية حتى تزج بنا في الحرب، ثم شنت بعد ذلك حربا بلا خطة لما بعد الاحتلال وخاضت الحرب بقوات غير كافية كلفتنا خسائر بشرية بغير أي ضرورة.

لقد قوضت تلك الحرب مبادئنا الديمقراطية وذلك في ظل وجود رئيس يدّعي أنه يتمتع بسلطة تخوله أن يكون فوق القانون خلال فترة حرب على الإرهاب يقول هو إنها ستستمر أجيالا من الزمن. وبسبب هذا التكبر والسياسة المتغطرسة وقعت انتهاكات مخزية

مثل ما جرى في سجن أبوغريب ومعتقلات «سي أي إيه» واحتجاز الأشخاص بلا تُهم ومن دون محاكمات ومن دون محامين يدافعون عنهم في غوانتانانو وفي أماكن أخرى، ثم تبين بعد ذلك أن عددا كبيرا منهم كانوا أبرياء. فأميركا التي كانت تتبنى سلطة القانون في كل أرجاء العالم يُنظر إليها الآن باعتبارها دولة مارقة ترى نفسها فوق القانون.

وفي ظل هذا كله، ظل جو ليبرمان يلعب دورا ما ، وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» بـ «مُمكن» الرئيس. فقد استخدم نفوذه بقوة وبشكل مباشر من أجل خيار الحرب الاستباقية. وردد أكاذيب رجال الرئيس ورفض اتهامهم بالحماقة وفي الوقت ذاته شكك في وطنية

من أثاروا أسئلة منطقية حول سياسات الإدارة الأميركية الحالية، وازدرى الديمقراطيين الذين عارضوا النهج الإمبريالي للرئاسة الأميركية. وحتى يومنا هذا فإنه يقوم بالتغطية على ما يحدث في العراق ولا يدري شيئا عن العواقب الوخيمة لهذه الحرب على البلاد.

وعلى امتداد ولاية كونكتكت، يقول الناخبون إن هذا الرجل «ليس مرشحنا». إنهم يبعثون برسالة ليس إلى جورج بوش فحسب وإنما إلى الحزب الديمقراطي أيضا ويضعون أعضاءه في موضع المساءلة. أمّا خصمه، نيد لامونت، فيدير حملة متزنة خالية من أي هجوم شخصي وخالية من أي نوع من أنواع السياسة القذرة.

وقال ببساطة وبشكل محق إن ليبرمان لم يكن مخطئا بشأن الحرب في العراق فحسب، وإنما أيضا كان قائدا لصقور الحرب وهو الديمقراطي المفضل لدى الرئيس الأميركي والمدافع الرئيسي عنه.

العمال في ولاية كونكتكت، هذه الولاية التي تشهد نزيفا في عدد الوظائف المتاحة في قطاع التصنيع، لديهم أسباب كثيرة تدفعهم إلى اعتبار ليبرمان المرشح الذي لا يجب أن يمنحوه أصواتهم. فليبرمان كان أحد الذين وقفوا خلف تمرير تلك السياسات التجارية في الشركات التي تسببت في تدمير قطاع التصنيع في الولايات المتحدة وكانت وراء أكبر عجز تجاري في تاريخ البشرية.

إنه أكبر مدافع عن الخروج عما هو متعارف عليه في عالم الأسهم والأعمال، وساهم بشكل مباشر في أكبر فضيحة شهدها قطاع الشركات في قرن واحد، وهي فضيحة شركة إنرون الذي تمكن رئيسها جيف سكيينج من الحصول على ملايين الدولارات بسبب ما قام به من إتلاف للسجلات المالية للشركة، وهو ما اُعتبر نتيجة مباشرة للسياسات التي كان يتبناها ويدافع عنها ليبرمان.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص لـ «البيان»