في مستهل القرن العشرين أمرت محكمة الأحوال الشخصية في مصر بالتفريق بين زوجين شهيرين وكان السبب هو انعدام «الكفاءة» بينهما، فقد رأت المحكمة الشرعية في القاهرة أن الزوج أدنى مستوى من المرأة إذ كانت مهنته هي، الصحافة!، لم تمض سوى ثلاثين سنة حتى أذاع أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته الشهيرة (29 بيتاً) التي رفع فيها الصحافة والصحافيين إلى عنان السماء

حيث استهلّها قائلاً:

لكل زمان في الورى آية وآية هذا الزمان الصحف بعدها بأقل من عقد من السنوات حلقت من جديد مكانة الصحافي إلى ذرى السلم الاجتماعي سواء كان اسمه محمد التابعي في الأربعينات أو كان اسمه سعيد فريحة في الخمسينات أو كان اسمه ميشال أبوجودة أو غسان تويني، دع عنك نجومية محمد حسنين هيكل في ستينات القرن العشرين.

لم تكن المسألة مجرد ما أبدعته أقلام هؤلاء الصحافيين من آراء أو أخبار، بل تعدى الأمر إلى إثبات حقيقة كون الصحافي والصحف سلطة رابعة بحق في المجتمع الحديث، بمعنى السلطة التي تكشف وتنقد وربما تنصب محكمة الرأي العام لسائر السلطات الأخرى وخاصة السلطة التنفيذية (الحكومة - الإدارة) أو حتى التشريعية - النيابية (البرلمان)،

ومازالت حوليات التاريخ الصحافي المعاصر تذكر ولا تنسى جهود اثنين من شباب الصحافة الأميركية مع بدايات السبعينات وهما بوب ودوارد وزميله كارل برنشتاين، وكانا يعملان في جريدة واشنطن بوست وقد استخدم كل منهما، بل امتشق، قلماً يجمع بين الجسارة الأدبية والكفاءة المهنية

واستطاعا من خلال تحقيقات صحافية متوالية أن يحاكما حادثة سطو عادية على مقر الحزب الديمقراطي المعارض في واشنطن، وأن يتحولا بها إلى واقعة جناية سياسية، تورط فيها أكبر رأس في البلاد ومعاونوه تحت اسم فضيحة «ووتر جيت»

وكان أن أفضت جهودهما - كما أصبح معروفاً - إلى إسقاط نظام الرئيس ريتشارد نيكسون بأكمله. وكان في هذه التطورات ترجمة المقولة التي ذاعت عن الكاتب الأميركي الشهير آرثر ميللر وهي: في سطور الصحيفة الجيدة تستطيع الأمة أن تحادث نفسها (بمعنى أن تتأمل ذاتها).

والحق أن الصحافة الجيدة بمعنى المتعمقة والممارسة لمهامها بوصفها مهنة ورسالة ومسؤولية أمام الرأي العام - هذا النوع من الصحافة ظل محل احترام الناس، الذين كان عقلاؤهم يحرص على شراء الجريدة ويستقي منها أخباراً وتحقيقات وآراء وتعليقات بما يزود القارئ بينابيع من النهم والعلم والاستنارة.

ورغم أن دنيا الصحافة واجهت تحديات صعبة وربما شرسة في بعض الأحيان إلا أنها خرجت منها بأقل قدر ممكن من الخسائر أو الإصابات: مع العشرينات والثلاثينات واجهت الصحافة المطبوعة تحديات الإذاعة المسموعة،

وخشي الناس وقتها أن يحل الراديو محل الجريدة، تماماً بقدر ما كانوا يخشون ـ ولو بدرجة أكبر ـ أن يصبح التلفزيون مع الخمسينات هو الفتى المدلل إعلامياً بدلاً من الجريدة، لكن الأمر جاء على خلاف ذلك ربما بفعل قانون ورؤية نظرية قال بها بعض أساتذة علوم الاتصال

ومنها:

أن وسائل الإعلام (الميديا بأنواعها) يعزز بعضها بعضاً، وبمعنى أن الإقبال على سماع الراديو أو مشاهدة البرامج الجادة في التلفزيون يمكن أن يدفع المستمع الذكي أو المشاهد الفاهم الحريص إلى مزيد من الإقبال على الصحافة المطبوعة وعدم التخلي عنها، لكن يبدو أن الأمور مع هذه السنوات الأولى من القرن الجديد تؤول إلى تغييرات كمية ونوعية حاسمة وبعضها ينذر بخطر على الصحافة المطبوعة فادح وربما جسيم.

كيف؟، هذه مجلة «الايكونومست» البريطانية بكل رصانتها وتعاملها بهدوء يصل أحياناً إلى البرود مع مستجدات الأحداث تخصص أهم محاور عددها الصادر مؤخراً (26/8/2006) لعرض وتحليل هذه الأخطار المحدقة

بالصحافة المطبوعة بكل أطيافها ما بين صحافة الجد والتحليل (نيويورك تايمز مثلا، اللوموند مثلاً آخر، الخ) إلى صحافة الهزل والإثارة (التابعة من حيث الملكية والتوجه المهني لمصالح الملياردير روبرت ميردوخ وهو امبراطور الصحافة الصفراء - التابلويد كما يسمونها).

يسترعي الاهتمام الجاد - سياسياً ومهنياً أن الإيكونومست لا تتورع عن نشر مواد هذا الملف تحت عناوين غير مألوفة في تقاليدها من قبيل: من الذي اغتال الجريدة؟

أو من قبيل: اختفاء (زوال) أنجع أدوات الميديا الإعلامية، وليس صدفة أن تستهل المجلة البريطانية موضوعاتها في هذا الصدد بإطلاق وصف «الميديا العجوز» على الجرائد والمجلات المطبوعة، وبمنطق المخالفة يصدق وصف الميديا الناشئة،

اليافعة، الفتيّة، الواعدة على البديل الذي ترى الأوساط المهنية أنه يواجه الصحف حالياً وهو تحدي الانترنت ومحركات البحث وشبكات المعلومات الحاسوبية التي تنفذ عشرات من عمليات اللف والدوران والإحاطة بقطر كوكب الأرض عديداً من المرات مع مطلع كل صباح.

في هذا المضمار تحذر الدراسة التي نشير إليها من ظاهرة التناقص المطرد في مبيعات الصحف وانكماش توزيعها، يستوي الأمر في أميركا وفي أوروبا الغربية مع الأمر في استراليا وأميركا اللاتينية (ترى هل آن الأوان لتوسيع نطاق هذه الدراسات،

وبكل أمانة البحث وموضوعية الصدق مع الذات كي تشمل ربوعنا اليعربية السعيدة، لا لكتابة المراثي النائحة ولكن من أجل التأهب والاستعداد للمستقبل باستخدام أنجع وأكفأ آليات التطوير والتجديد!).

وبمناسبة حكاية المستقبل، فقد صدرت مؤخراً دراسة استشرافية للكاتب فيليب ماير الذي استخدم أسلوب الاستقراء الإحصائي في رصد مستقبل الصحف المطبوعة فكان أن خرج بالمحصلة الحاسمة التالية:

ثمة مرحلة ليست بالبعيدة في عمر الشعوب سوف تشهد القارئ

وهو يطوح بالجريدة بعيداً وينهي عهده بها لصالح الحاسوب الشخصي الصغير والبسيط والمتهاود الثمن والذي سيتعامل مع صاحبه بأسلوب التعّرف الصوتي: أطلب، تجد، أنطق وبعدها يصير التنفيذ. هذه المرحلة سيكون عنوانها: «اختفاء الجريدة المطبوعة»،

وموعدها تحديداً هو عام 2043 يعني في حدود جيل واحد من عمر البشر كما يضيف الكاتب فيليب ماير، وقد يكون الرجل متشائماً وقد تثبت الأيام صمود الورقة المطبوعة أمام المعلومة الالكترونية ولكن الكاتب المذكور كان يستند في دراسته إلى حقائق إحصائية ووقائعية نوجز أهمها في يلي:

البريطانيون من المجموعة العمرية 15 - 42 سنة ذكروا في الاستطلاعات أنهم أصبحوا يمضون وقتاً أقل بنسبة 30 في المئة في قراءة الصحف فور أن بدأوا في التعامل مع شبكة الانترنت. طبقاً لدراسات رابطة الصحافة في أميركا، انخفض عدد العاملين في الصحف المطبوعة هناك منذ عام 1990 حتى الآن بنسبة 18 في المئة، بسبب ضعف المداخيل ومن ثم خفض الميزانيات.

وأقرب الأمثلة على ذلك ما أعلنه مصرف ستانلي مورغان وهو أكبر مستثمر في عالم الصحافة من أنه وجه الملام الشديد إلى مؤسسة نيويورك تايمز التي انخفض دخلها إلى النصف خلال السنوات الأربع الأخيرة وهذا هو حال أكبر وأهم مؤسسة صحافية في الولايات المتحدة.

انتشار - بل استشراء ظاهرة مستجدة وغريبة على دنيا الصحافة وهي الطبعات والإصدارات المجانية من الجرائد، كانت المقولة التقليدية ترفض هذه المجانية بدعوى أنها قد تثير استهانة القارئين، لكن ها هي مؤسسة «مترو» الدولية السويدية المعنية بمهنة الصحافة تقول إن الصحف المجانية أصبحت تشكل نسبة 16 في المئة من التوزيع في أوروبا،

وأنها في حال من التصاعد المتواصل، وأن قوام جماهيرها هم الشباب المتوجهون إلى أعمالهم بالمواصلات العامة في كل صباح، وأن هذه الجرائد المجانية تعتمد في تمويلها على الإعلان لكي تظل على قيد الحياة، ورغم أن هناك من لا يزال يرفض حكاية الجريدة المجانية هذه، إلا أن جموع الاستشاريين الفاهمين للسوق الصحافية في الحاضر والمستقبل ترى أن على كبريات الجرائد أن تحني رأسها للعاصفة

وأن تبحث حكاية المجانية هذه حتى لا يجرفها التيار، ويكفي أن نقول أن اللوموند الفرنسية بكل مكانتها وعراقة تاريخها تدرس حالياً إصدار طبعة مجانية في فرنسا، وسواء رأى الباحث أو المحلل في مثل هذه الأخبار أو المعلومات

ما يسر أو ما يضر فالحاصل أن التطورات جارية والمستجدات متواصلة، والدنيا من حولنا تتغير ومن ثم فالوعي بكل هذه التطورات لم يعد ترفاً أكاديمياً بقدر ما أصبح حتماً مقضياً.

كاتب مصري