في زيارة لم يعلن عنها، وصل وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر إلى بغداد على رأس فريق عمل كبير يضم ستين عضواً بينهم وزير الدفاع إبان رئاسة كلينتون وأحد رؤساء وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابقين وأعضاء في الكونغرس من الحزبين وبعض القضاة،
وذلك لتقصي الحقائق وتقديم توصيات إلى الرئيس بوش حول ما ينبغي اتباعه من سياسات في القريب العاجل لوقف التداعيات المحتملة في محاور متعددة. وتأتي هذه الزيارة الهامة بعد أن قدم البنتاغون تقريره السري الفصلي إلى الكونغرس والذي رسم فيه صورة متشائمة لمستقبل العراق.
وقد بني التقرير استنتاجاته في ضوء تنامي العنف الطائفي المتبادل وارتفاع عدد ضحايا القتل اليومي على الهوية واستفحال دور المليشيات التي ليس في مقدور الحكومة حتى الآن اتخاذ موقف واضح منها.
وقد أشار التقرير إلى أن الأشهر الثلاثة الماضية قد شهدت زيادة ملحوظة في الهجمات المسلحة بنسبة 24 %، وتصاعدت خسائر العراقيين البشرية بنسبة 51 %، وامتد العنف ليشمل محافظات أخرى شمال العاصمة.
ويذكر التقرير أن مقومات الحرب الأهلية متوافرة خاصة في العاصمة بغداد، إلا أن التقرير لا ينفي إمكانية تلافي وقوع هذه الحرب. ومع أن عدداً من الساسة الأميركان والبريطانيين قد توصلوا في الآونة الأخيرة إلى استنتاجات مشابهة لما ورد في تقرير البنتاغون،
إلا أن الرئيس بوش وطاقم إدارته يقللون من شأن ذلك، على الأقل في تصريحاتهم العلنية، يشاركهم في ذلك المسؤولون العراقيون الذين يرفضون كلياً هذه الطروحات ويعتبرون ما يجري في العراق احتقانات طائفية وليست حرباً أهلية،
مفسرين ما ورد في تقرير البنتاغون بأنها طروحات سياسية تهدف إلى حسم صراعات داخل الإدارة الأميركية نفسها بين صناع القرار، وزارة الخارجية ووزارة الدفاع. فمنذ استلام الخارجية الأميركية للملف العراقي، دأب البنتاغون على تصوير ما يجري في العراق على أنه فشل لمن يدير هذا الملف.
في الحقيقة لم تكن الإدارة الأميركية هي المبادر لتشكيل هذا الفريق، وإنما الكونغرس نفسه في ضوء مقترح تقدم به النائب الجمهوري عن ولاية فرجينيا فرانك وولف الذي استطاع إقناع عشرات الأعضاء الديمقراطيين والجمهوريين بأن خطورة الأوضاع في العراق تحتاج إلى إلقاء نظرة متفحصة أخرى، بأعين خبيرة ومحايدة.
ولم تنطلق مبادرة وولف من فراغ، فقد قام هذا النائب بزيارة العراق مرات عديدة، والتقى بمعظم المسؤولين العراقيين، وسمع هناك من خلال لقاءاته مع الضباط الأميركان عن خطط خطيرة أقلقته تتناول زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعمل على إطاحة أنظمة تُعتبر صديقة للولايات المتحدة، وهو ما ذكره لروبرت دريفوس الذي نشر مقالة هامة حول هذه المواضيع في (الواشنطن مونثلي)، في الخامس عشر من أغسطس المنصرم.
وعلى الرغم من أن هذه المبادرة قد واجهت معارضة شديدة من قبل نائب الرئيس تشيني، إلا أنها حظيت بمباركة الرئيس نفسه، ربما أملاً في الحصول على فرصة للخروج من مأزق التورط في العراق. وقد بدأ فريق العمل هذا مهمته منذ مارس المنصرم وسط أجواء سرية للغاية.
هنالك ثلاثة محاور ساخنة تكمن وراء مهمة بيكر وفريق عمله، كل منها على درجة كبيرة من الخطورة:
1ـ العملية السياسية في العراق في حالة أقرب إلى الإخفاق منها إلى النجاح رغم مرور ثلاث سنوات ونصف على احتلال البلد، والإقرار بفشلها هو في الحقيقة لطمة كبيرة للإدارة الأميركية ولسياسات الحزب الجمهوري ولمشروع الشرق الأوسط الكبير، وكذلك للقوى السياسية العراقية المنخرطة في العملية السياسية.
2ـ تواجه الإدارة الأميركية عزلة متزايدة داخل الولايات المتحدة، ويواجه الرئيس الأميركي حرجاً كبيراً أمام شعبه الذي لم يعد يلتزم الصمت إزاء تزايد الخسائر البشرية بين الجنود الأميركان من جهة، وتزايد الخسائر المادية التي يقوم دافعو الضرائب بتغطية كلفتها من جهة أخرى. فالدعم الشعبي للحرب في العراق آخذ بالتبخر، وتبين استطلاعات الرأي تراجعاً كبيراً في شعبية الرئيس بوش، وتتزايد الدعوات لسحب القوات الأميركية من العراق.
3ـ . يواجه الحزب الجمهوري استحقاقات مهمة على مدى الشهرين القادمين واستحقاقات أكثر أهمية على مدى السنتين القادمتين، حيث يمكن للاستحقاق الأول في نوفمبر القادم، وهو موعد الانتخابات النصفية للكونغرس أن يأتي بالديمقراطيين إلى موقع الأغلبية في أحد مجلسي الكونغرس أو ربما في كليهما، مما قد يشجعهم على فتح تحقيق في عدد من القضايا المثيرة للجدل في الأوساط الأميركية،
والتي صنعتها إدارة الرئيس بوش، منها الحرب على الإرهاب وقرار احتلال العراق والتجاوزات على الحقوق المدنية للمواطن الأميركي بالسماح بالتجسس على المكالمات الهاتفية، وغير ذلك الكثير من السياسات والإجراءات التي أضعفت ثقة الأميركيين، خاصة أولئك الذين هم من أصل شرق أوسطي، بالإدارة الحالية، مما يضعف الفرص أمام الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2008، أو ربما يعرضهم إلى هزيمة مدوية.
من هنا تبرز أهمية مَهَمَة بيكر وفريق عمله، تلافي هزيمة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، منح الرئيس الأميركي طوق نجاة يقي الحزب الجمهوري هزيمة شبه مؤكدة في الانتخابات الرئاسية في عام 2008، إذ ليس من المتوقع أن يصدر التقرير قبيل عام 2007، حيث ذكر بيكر نفسه بأنه لن يُسيس هذا التقرير، لذلك لن يُصدره قبل نوفمبر القادم.
لا شك أن التقرير الذي سيقدمه بيكر في نهاية مَهَمَة فريقه سيكون هاماً للغاية بسبب ما يتمتع به شخصياً من احترام في الأوساط السياسية الأميركية وبسبب ما عرف عنه من دقة في العمل وموضوعية لا تعرف المجاملة، فهو من أكثر السياسيين الأميركيين تحفظاً في تصريحاته، يحتفظ بأوراقه عادة حتى اللحظات الأخيرة.
ولم يسمع عنه منذ عام 2003 أية وجهة نظر حول الحرب الأميركية في العراق مما يجعله أقرب إلى عدم الموافقة عليها منه إلى الحياد إزاءها. ومما يزيد من أهمية ما سوف يترتب على تقرير بيكر هو قربه من الرئيس بوش الأب وقربه من الرئيس الإبن بوش فهو الذي أدار حملته الانتخابية الأولى وساعده على تجاوز الصعوبات والتقولات التي رافقت التصويت في ولاية فلوريدا،
ولا يتردد المطلعون على دواخل السياسة الأميركية في القول بأنه حينما تكون هنالك حالة طارئة يُستدعى جيمس بيكر. إن المهمة الأساسية التي تواجه فريق العمل هذا هي البحث عن موقف يمكن اعتباره وسطاً بين بقاء القوات الأميركية في العراق أو مغادرته،
فالبقاء يتطلب الاستمرار في تحمل تبعات ما يجري وحصاد نتائج ذلك على مستويات إقليمية وعالمية وداخلية والاستمرار في مسلسل الحرب ضد الإرهاب وربما السعي نحو توسيع الحرب في العراق لتشمل دولاً أخرى في المنطقة،
أما مغادرته فهي إقرار بالهزيمة. هنالك قلة تراهن على إمكانية أن يغير الرئيس الأميركي موقفه من الحرب في العراق، فهو شخص لا يغير رأيه بسهولة، إذ يعتقد بأنه صاحب رسالة يسعى إلى وضعها موضع التنفيذ، فلا أحد يرى بأنه سوف يأمر قواته بالانسحاب من العراق قبل أن يحقق أجندته في هذا البلد.
ولكن ماذا لو كانت هذه الأجندة غير قابلة للتحقيق خاصة بعد أن بدأت بوادر ذلك بعد بضعة شهور فقط من احتلال العراق، فهل يتمكن جيمس بيكر من إقناع بوش بعقم أجندته، وهل يستطيع إقناعه بعدم قدسية رسالته؟، ليس أمامنا إلا أن ننتظر لنرى، رغم أن هذا الانتظار يكلفنا رؤية المزيد من شلالات الدم العراقي.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae