مما لاشك فيه أن الأحاديث الدائرة عن دور الدبلوماسية الروسية حول فرملة المواقف الدولية التي لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح العربية، بل وتفسح المجال لتبني مواقف تتعارض مع مصالح الدول العربية، بدءا من القرار1642 وانتهاء بالقرار1701، يعكس حقيقة الدور الروسي وجهود موسكو لإحلال السلام في المنطقة الساخنة.

ومرة أخرى يكثر الحديث عن حيوية الدور الروسي في إيجاد حلول لإخراج التسوية السلمية في الشرق الأوسط من أزماتها، وذلك على أعتاب زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف إلى المنطقة والتي تتضمن لبنان وسوريا وإسرائيل.

وخلافا للموقف الفرنسي لم يزر الوزير الروسي لبنان أو المنطقة بشكل عام منذ اندلاع الحرب في لبنان، واعتبر العديد من المحللين أن السبب في ذلك يعود إلى أن الدبلوماسية الروسية قررت آنذاك تركيز جهودها على المحادثات في مقر الأمم المتحدة، حتى لا تماطل الولايات المتحدة ـ بطلب من إسرائيل-في تبني قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار.

ولم تكن معركة روسيا الدبلوماسية اقل حدة من الصراع الدائر على الأرض، وهو ما عكسته تصريحات الرئيس بوتين خلال قمة الثماني الكبار، الذي حاول منذ بداية القمة دعوة المشاركين فيها للتعامل مع جذور الأزمة المتمثلة في تحرير الأراضي العربية وحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير مصيره وبناء دولته المستقلة على ترابه الوطني.

كما حذرت الدبلوماسية الروسية من عدم إيجاد حلول جذرية، باعتبار انه لابد وان يقود المنطقة لانفجار عنيف ولنشوب حرب مدمرة. ثم بدأت هذه التصريحات تتقلص لتقتصر في النهاية على المطالبة بإيقاف المعارك الفوري، واحترام أمن إسرائيل. وكان واضحا أن الخلاف بين أطراف القمة قد عطل بشكل ملموس الوصول لتسوية سياسية حول موقف المجتمع الدولي.

واعتبر الكرملين أن بيان الثمانية الكبار تسوية بين أطراف المجتمع الدولي يمكن أن توفر الإمكانيات لنجاح مؤتمر روما، وأرضية صالحة لإصدار بيان عن مجلس الأمن يدعو لإيقاف المعارك، إلا أن هذا لم يحدث، وتبين أن التفاؤل الروسي مبالغ فيه، مما جعل الحرب تستمر أكثر من ثلاثين يوما، تم خلالها تدمير البنية التحتية للمواصلات والاتصالات، ومصرع ألف لبناني، وإصابة عشرات الآلاف بجراح.

والمشكلة لم تكن فقط في أن الجهود الروسية فشلت في اختصار فترة القصف الإسرائيلي لتجنيب الشعب اللبناني ويلات الحرب، وإنما أثارت تساؤلات حول أسباب فشل روسيا في الوصول إلى تسوية حاسمة، بل ان التسوية التي تم الاتفاق عليها جاءت بعد تنازلات من موسكو عن العديد من المواقف التي يعتبرها الكرملين مفتاحية في حل أزمة الشرق الأوسط.

ولعل الشعور بعجز او تقلص الدور الروسي جعل الكرملين يحجم عن اتخاذ موقف من مقترح إرسال قوات سلام روسية إلى المنطقة، خاصة بعد أن عانت قوات حفظ السلام الروسية من التهميش والتجاهل في أزمة البلقان، عندما تم توزيع كوسوفو كمناطق نفوذ بين قوات دول الناتو، وضمت إلى فرق الدول الأوروبية فرقا من القوات الروسية، التي كانت قد احتلت مطار برشتين بشكل استعراضي آنذاك.

لقد طرحت الحرب الأخيرة في لبنان تساؤلات عميقة حول حقيقة الدور الروسي في المنطقة وجدوى سياسات الدبلوماسية الروسية في استعادة نفوذ موسكو المفقود في الشرق الأوسط ؟

ولابد أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذه الحرب قد سببت أضراراً كبيرة لسياسات روسيا الخارجية:

1- كشفت عن أن دور روسيا قد أصبح هامشيا وغير مؤثر في حل الصراع المتفجر، وأن كل مساعي موسكو للعودة إلى المنطقة سواء عبر اتفاقات التعاون وتوريد الأسلحة غير الهجومية، أو عبر التعاون الاقتصادي ليست أكثر من نوايا، انهارت تحت وطأة القصف الإسرائيلي.

2- ان واشنطن جادة في مشروعها الخاص ببناء عالم أحادي القطب، يقرر مصيره البيت الأبيض، وان مشروع العالم متعدد الأقطاب قد ألحقت به هزيمة ثانية، بعد هزيمته في العراق، عندما تجاهلت الولايات المتحدة قرارات الأمم المتحدة، وشنت حربها ضد العراق، بدعوى وجود أسلحة دمار شامل، وتبين عدم وجودها في الترسانة العسكرية العراقية، ثم تم تغيير الهدف إلى إشاعة الديمقراطية وإنقاذ العراقيين من حكم صدام، لتنهار أيضاً هذه الحجة أمام فضح سجن أبوغريب، وتدهور الحالة الأمنية في العراق.

3- ان الملف الشرق الأوسطي مازال يخضع للاحتكار الأميركي والمصالح الإسرائيلية، وان دور رباعي الوسطاء الدولي والأمم المتحدة لا يزيد على مجرد مشاركة ثانوية يتم تجاهلها في اللحظات الحاسمة.

وحذر العديد من المحللين السياسيين من أن تراجع الدبلوماسية الروسية قد يعني نهاية مشروعها في بناء العالم متعدد الأقطاب (الذي يمكن أن يفسح هامش ما يمكن المجتمع الدولي من الوصول إلى تسويات مقبولة حول الملفات الساخنة).

ولعل هذا الوضع دفع صانعي السياسة الروسية لإعادة النظر في أسلوب التعامل مع الملف الشرق أوسطي، وسياسة العودة إلى المنطقة، وانطلقت هذه المراجعة بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل دور الأمم المتحدة، ولابد من تدعيم وتقوية هذا الدور، باعتبار أن المنظمة الدولية مازالت الإطار الوحيد الذي تتحاور فيه أطراف المجتمع الدولي من أجل الوصول إلى تسويات، ويسود اعتقاد في أوساط الدبلوماسية الروسية ان الأمم المتحدة لم تفقد بعد كل قدراتها على التأثير على الساحة الدولية.

وسبل حل أزمات البؤر الساخنة، في نفس الوقت الذي تعترف فيه بضعف هذه القدرات. كما وضعت الدبلوماسية الروسية عدة احتمالات لتطورات الأزمة في المنطقة، اول يقوم على تنامي نفوذ تحالف حزب الله وإيران وسوريا، والذي قد يمنع حدوث آية صدامات داخلية في لبنان، إلا انه سيظهر في احتدام الصراع السياسي.

أما الاحتمال الثاني أن يتفجر الوضع الداخلي في لبنان مرة أخرى، وهو ما سيخدم مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، وسيضر بالمثلث المذكور، لأنه سيشكل حرب استنزاف ستضعف هذا المثلث، وستجبر الحكومة اللبنانية على الدخول في اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وسيتحول الجيش اللبناني في جنوب لبنان إلى حارس لأمن إسرائيل.

ومن المستبعد أن يكون الرهان على تهويد حزب الله ونزع سلاحه مازال قائما، بالرغم من انسحاب قواته من منطقة العرقوب المواجهة لمنطقة مزارع شبعا المتنازع عليها في جنوب لبنان وسحب أسلحته إلى خارج المنطقة التي شملها انتشار الجيش اللبناني وسيشملها انتشار قوات الأمم المتحدة، إذ أن واشنطن وتل أبيب تدركان أن الإجراءات التي يقوم بها حزب الله تستهدف حماية قوات الحزب وبنيته.

ويدفع استمرار الأعمال العسكرية من جانب إسرائيل ضد حزب الله وحركة حماس، إضافة للتطورات السياسية الجارية على الأرض للاعتقاد بأن المشروع الثاني يمكن أن يكون مطروحا اليوم، بل ان العديد من المحللين يعتبرون أن ما يحدث في لبنان هو تجربة لخطة جديدة، يمكن في حال نجاحها أن تتوسع لتشمل بقية دول المنطقة. باعتبار أن نتائج ما يحدث في لبنان ستعطي مؤشرا للتطورات التي يمكن أن تحدث في بقية دول المنطقة، عندما يتم البدء في بناء التركيبة الجديدة للشرق الأوسط وفق الرؤية الأميركية.

ويعتبر الوضع بالنسبة لروسيا سلبيا، ليس فقط لان موازين القوى الحالية لا تمكنها من أن تلعب دورا مؤثرا في الشرق الأوسط، وإنما أيضاً لان مساعيها لتفيد مشروعها ببناء عالم متعدد الأقطاب بدأ ينهار، واحد عوامل هذا الانهيار مواقف بعض مجموعات القرار في روسيا التي ترفض توتير الأجواء والعلاقات مع الولايات المتحدة، حيث تتعامل هذه المجموعات مع المصالح الآنية الراهنة على حساب المصالح الاستراتيجية مما يجعل سياسة الدبلوماسية الروسية غير واضحة المعالم وأحياناً مترددة.

أن بناء عالم متعدد الأقطاب سيفرض بالضرورة مواجهات دولية، لان أطراف الصراع لن تتخلى عن نفوذها ما لم تجبر على ذلك، ولابد لأطراف المجتمع الدولي ان ترسم إستراتيجية واضحة لمصالحها، لان خوض هذه المواجهة يتطلب إدراكا واعيا لأولويات مصالحها.

مركز دراسات الطاقة ـ روسيا