من الواضح أن اللجوء لإنشاء قوة دولية في جنوب لبنان كان مخرجاً للمأزق الإسرائيلي إبان العدوان وبعده، بيد أن ما حصل ويحصل بشأنها يطرح أسئلة ينبغي التدقيق فيها نظراً للالتباسات التي تطرحها، لجهة التكييف القانوني لهذه القوة وبالتالي المهام الملقاة على عاتقها والأهداف الرامية إلى تنفيذها، علاوة على آليات عملها، فما هي خلفيات النصوص في القرار 1701 المتعلقة بالقوة؟ وهل هي قابلة للتنفيذ في الحدود المعلن عنها عملياً؟

بنظرة مدققة إلى ما يجري فعلاً في لبنان تستوجب الحذر من هذا التفاؤل المفرط. فليس ثمة ما يوحي بأن الإدارة الأميركية في صدد التراجع عن خططها في المنطقة، من العراق إلى إيران مروراً بفلسطين ولبنان. ومن جهة أخرى لا تبدو مقومات الدور الفرنسي قوية الحظوظ في هذه المنطقة من العالم.

لا تكف التصريحات الأميركية عن الطلب من فرنسا وأوروبا عموماً الوفاء بتعهداتها في قيادة القوة الدولية ونشرها على الحدود بين لبنان وسوريا وإسرائيل. لكن بالمقابل فان حظوظ تطبيق القرار 1701 تصطدم دائماً بسياسة أميركية ترفض صيانة قرار وقف الأعمال العدائية من خلال الضغط على إسرائيل من اجل الالتزام بروحية هذا القرار.

فالخروقات الإسرائيلية لقرار وقف الأعمال العدائية تحولت أمراً عادياً في لبنان، والحصار الذي تفرضه على لبنان جواً وبراً وبحراً مضروباً يجعل الوضع قابلاً للانفجار في أي لحظة. ذلك أن الإدارة الأميركية التي أجازت الحرب الإسرائيلية على لبنان تتفق مع تل أبيب في ضرورة استكمال هذه الحرب حتى تصل إلى نهايتها المطلوبة أميركياً وإسرائيلياً.

لكن ما يجري حتى الآن ليس أقل من وضع العراقيل أمام الحكومة اللبنانية في وجه حسن تنفيذها لهذا القرار، ورغم أن المجهود الدبلوماسي الذي تقوم به الحكومة لا سابق له في تاريخ لبنان، إلا أن الرغبة الإسرائيلية في اختتام هذه الحرب على نصر باهر كالذي عودتنا عليه إسرائيل في الحروب التي خاضتها ضد العرب، تعطل معظم هذه الجهود وتتيح مجالاً للضغط على هذه الحكومة من قبل الطرف الآخر في هذه الحرب.

نجاح عمل القوات الدولية ليس بالأمر الهين، فدونه عقبات سياسية وعسكرية كبيرة، وأن تجاوزها يعني تجاوز مسائل استراتيجية لجميع الأطراف المباشرين وغير المباشرين بدءاً بإسرائيل وحزب الله مروراً بسوريا وانتهاء بإيران.

وإذا كان هذا التوصيف القانوني يرخي ظلالاً كثيفة على مستقبل عمل هذه القوات والآليات التي ستعتمدها لتنفيذ مهامها فان الشق السياسي المتعلق بإنشاء هذه القوة يعزز أيضاً الكثير من الشكوك حول مستقبل أدائها ، فبعد الحماس الفرنسي اللافت بداية ظهر تراجع واضح حول حجم المشاركة الفرنسية، ذلك يعود للعديد من الاعتبارات من بينها اقتناع فرنسا بعدم نضوج البيئة السياسية اللازمة لإنجاح عملها.

وهو أمر مرتبط بكل الأطراف المحليين والإقليميين والدوليين ومرهون باستحقاقات إقليمية كالملف النووي الإيراني والإيحاءات المتعلقة بمفاوضات عربية إسرائيلية ربما تهب رياحها بعد حين.

من هنا يمكن القول ان القوة الدولية وردت في القرار ضمن الفصل السادس شكلاً، إلا انه من الناحية العملية لا يمكن تنفيذ المهام الملقاة على عاتقها إلا في استعمال القوة كما ورد صراحة في متن القرار. وبصرف النظر عن ذلك، فتجربة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل، تظهر عدداً من الدروس اللافتة للراغبين في إنشاء قوة جديدة تحل محلها رغم فشلها في منع اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 .

وفي منع اعتداءات أخرى كبيرة في عامي 1993 و 1996، إضافة إلى فشلها في منع العدوان، إن نجاح عمل قوات حفظ للسلام مرتبط بالإشراف على الترتيبات السياسية التي يمكن التوصل إليها، بمعنى إن محاولة التوصل لهذه الأهداف عبر القوة العسكرية أمر غير ممكن، فتجربة الصومال وحتى تجربة القوة المتعددة الجنسية في لبنان في العام 1982 ما زالت ماثلة في الأذهان.

وفي أي حال من الأحوال، فإن نجاح عمل مثل هذه القوات ليس بالأمر الهين، فدونه عقبات سياسية وعسكرية كبيرة، وأن تجاوزها يعني تجاوز مسائل استراتيجية لجميع الأطراف المباشرين وغير المباشرين بدءاً بإسرائيل وأميركا وحزب الله مروراً بسوريا، والأكيد أن التحدي الأكبر يكمن في نجاح الحكومة اللبنانية في رفع الحصار المفروض عنها من قبل إسرائيل، وإجهاض كل الخطوات الرامية إلى بناء شرق أوسط جديد على أنقاض لبنان بإظهاره للعالم أن هذا لن يكون بوابة لتجسيد مشروع أميركي ـ إسرائيلي.

benhadnal@yahoo.fr