إضراب عام في الأراضي الفلسطينية المحتلة واعتصام مفتوح للنواب في لبنان ومجاعة في الصومال، وفيضان في السودان وحرب مذهبية طاحنة في العراق .. كل هذه المآسي والعالم العربي يدير ظهره للعالم العربي، يغمض عينيه وينام لكأنما استعذب الآلام ويخشى أن يصحو ذات يوم فلا يجدها.

هل ضعفت الروابط العربية ؟ أم أصيب العرب بحالة يأس من الذات العربية التي باتت قرينة المآسي والأوجاع والنكبات ؟ ومن هو الطرف الغائب أو المقصر والذي يترك غيابه ندبات في القلب من الصعب محوها ؟.

كشفت مصائب السنوات الأخيرة أن حكومات العالم العربي ليست وحدها الضعيفة بل إن الضعف استشرى ليعم كامل مفاصل المجتمعات العربية، وهذا هو الخطر عينه. فالسلطات وإن طال الأمد تتغير إن لم يكن رضاء فقضاء لكن المجتمعات تمر في تحولات بطيئة وطويلة الأمد حتى تتغير .. الحكومات المشوهة قد تصفع وجه الإنسان العربي لكن المجتمعات المشوهة تطعن قلبه وتترك جراحا غائرة في نفسه لا يمحوها الزمن.

نحن في حاجة فعلية إلى دراسات نفسية واجتماعية تحلل واقعنا العربي وتشخص أمراضه، فالهزائم والدكتاتوريات والتجارب المرة المتعاقبة والسيطرة الأجنبية على مفاصل اقتصادنا وثقافاتنا واستلاب قرارنا السياسي على مدى عقود .. كل ذلك ترك آثارا مرة في النفوس كما أن الفجوات بين القول والفعل وبين وسائل الإعلام الحكومية والفضاء الإعلامي العالمي أحدث شرخا في النفوس وأدخل الفرد العربي في متاهة أو بيت رعب ينشغل فيه بذاته عن غيره وبشأنه الشخصي عن الشأن العام.

كلنا أصبح الآن مهموما بكيفية النجاة مع أسرته الصغيرة من الواقع بأقل ضرر ممكن، تعاملنا مع أوطاننا بمنطق عبد المطلب بن هاشم (فعندما طالب عبد المطلب أبرهة بإبله، قال له أبرهة:

لما رأيتك هبتك، فلما كلمتني زهدت فيك ، تدع بيتك وبيت أجدادك الذي جئت لهدمه وتكلمني في إبل لك ، فقال: أنا رب الإبل، وللبيت رب سيمنعه، فقال: ما كان ليمنعه مني ). والناس في هذا الزمن ترفع رؤوسها بأوطانها .. فالأميركي أصبح مهابا وصاحب سطوة في أي مكان في العالم ولو كان شحاذا يستجدي قوته من السكارى على أبواب الحانات والعربي أصبح مهانا ولو كان سيدا في قومه.

في الأزمات العربية تتحمل الحكومات مسؤولية الهوان وضعف مفاصل العمل الرسمي المشترك .. فهي لم تتحرك خطوة واحدة رغم الجوع الذي يكاد يفتك بالفلسطينيين ولم تجرؤ طائرة ولا سفينة عربية واحدة على كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على لبنان هازئة بالعرب والمجتمع الدولي كما أنها لا تتعامل مع الصومال والسودان باعتبارهما مجتمعين عربيين تتألم لآلامهما وتفرح لأفراحهما والأدهى والأمر أنها تعتبر مد اليد للعراقيين في العاصفة التي يمرون فيها نوعا من التدخل في شأن المحتل الأميركي ( لذا فإنها تتعامل بمنطق، أبعد عن الشر وغني له ).

لكن النقابات واتحادات العمال والبرلمانات وسائر الجمعيات الأهلية سياسية كانت أو اجتماعية تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية عما يجري .. فإذا كانت الحكومات مكبلة بضغوط أو أوامر بأن تفعل كذا أو لا تفعل كذا، فما الذي يكبل الناشطين المحليين والمثقفين والكتاب والمدرسين والأطباء والمحامين؟

ما الذي يكبل الطلاب في الجامعات والعمال في المصانع والفلاحين في المزارع .. وليس بالضرورة أن تكون المجتمعات صورة كربونية من حكوماتها .. إذ ينبغي الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق الدولة فالقبيلة تنبذ من يخرج عن أعرافها فيما الدولة تحتوي مخالفيها في الرأي وقد تتيح لهم عبر الانتخابات تولي مقاليد الأمور.

الناظر من بعيد يهزأ الآن بمقولات العروبة والتلاحم .. فلا صلات من أي نوع تطبع تصرفاتنا .. والديك الذي يصيح في غزة لم يعد يوقظ أحدا في بغداد .

magdishendi@hotmail.com