لا أذكر حرب 82 لأنني كنت وقتها صغيرة، ولا مذابح صبرا وشاتيلا تلك المجزرة التي تحدت كل القيم الإنسانية وجميع الشرائع السماوية السمحاء ومواثيق حقوق الإنسان والقوانين الدولية.

ولكن عرفتها فيما بعد ورأيتها في 96 وبالتحديد في شهر أبريل في مجازر قانا وعملية عناقيد الغضب الملعونة، مازلت أذكر تلك المشاهد المدمية وتلك المجازر المروعة وأشلاء الأطفال والشيوخ وصور النساء التي مازالت عالقة في مخيلتي، كنت وقتها استعد لامتحانات الثانوية العامة، غضبت وأيقنت في تلك الفترة مفهوم الصراع العربي الصهيوني. كبرت وكبرت معي مفاهيم الصراع والتحدي والتعبئة وتحمل المسؤولية.

ساهمت عوامل كثيرة في إيجاد الوعي الوطني والقومي في تلك الفترة المبكرة، أحاديث والدي ورؤاه الوطنية وأحاسيسه الإنسانية الرائعة، كثير من الكتب والدراسات والآراء والمقالات لباحثين وأساتذة عرب ساهمت هي الأخرى في صياغة مفاهيم وعبارات شكلت جزءاً كبيراً من مخزوني الفكري والثقافي.

ولا يمكن أن أتجاهل تلك الأحاسيس التي خلقتها بعض الأعمال الأدبية الرائعة كقصص غسان كنفاني ورسومات ناجي العلي الكاريكاتورية والروايات الأدبية والتاريخية الجميلة التي كتبها بعض المبدعين العرب خاصة تلك التي تحمل بعض السير الذاتية وتأخذك إلى أحداث الخمسينات والستينات والسبعينات ومسيرة الحركات الوطنية ونضال الشعوب في تلك الفترة.

هذه مجرد أمثلة، وغيض من فيض، فلا يمكن للمرء اختزال العوامل الكثيرة التي ساهمت في بلورة الوعي لديه لأنها عملية مستمرة وينبوع متدفق لا ينتهي إلا بانتهاء الدوافع والمسؤولية، قد تكون حياة الدعة والرفاهية والاتكالية والأموال سبباً في إنهائها وإنهاء جملة الأحاسيس التي نحملها.

ما يحزنك اليوم وفي خضم هذه الحرب القذرة التي شنتها إسرائيل ضد لبنان وتشنها ضد فلسطين وآلية القتل والتدمير والخراب والوحشية التي تعتمدها إسرائيل من ضمن أهم مبادئها، التبدل في الرؤى والمواقف الوطنية خاصة من نخبة مثقفين لمست في كتاباتهم توجهاتهم الوطنية على مدار هذه الأعوام الطويلة، فكانت أعمالهم على مدى سنين طويلة تصب في ذلك المضمار، فكانوا نموذجا ومثالاً يحتذى به في العمل الوطني والعقيدة الخالصة والمبادئ الثابتة لمقومات الأمة ومصالحها.

يقف المرء محتاراً اليوم وخاصة في ظل المجازر التي ترتكبها إسرائيل لن أقول في حق العرب والمسلمين سأتقاضى عن ذلك ربما هذه المفردات لم تعد صالحة للاستخدام في القواميس العربية اليوم على الأقل، سأقول في حق الإنسانية والبشرية، مشاهد المجازر البشرية وأشلاء الجثث المتلونة بلون الحرب الرمادي الكئيب، أمام هذا كله يرى المراقب موقفين لجزء كبير من المثقفين. فجاءت صورة المثقفين من الأزمة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي سواء للبنان أو لفلسطين كالتالي:

فريق يلتزم الصمت وعدم التحدث، وفريق آخر ترى تحولاً في مواقفه الفكرية خاصة تلك الفئة من المثقفين الذين كانوا قد حملوا الهم الوطني والتحرري وكان عنواناً لمسيرة حياة فكرية امتدت لسنوات طويلة تناضل من أجل الكرامة والحرية والعدالة والمساواة والتنمية والإنتاج وتقدم المجتمعات لا تأخرها وتخلفها ودورانها في فلك التبعية للغير.

اليوم وفي ظل دوران رحى معركة أمة يعاد فيها كتابة التاريخ العربي والإسلامي مرة أخرى وفي ظل مشاريع أميركية وصهيونية تسعى لتفتيت الوطن العربي وإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة تتوافق والمصالح الأميركية الصهيونية.

نرى هناك استقالات فكرية تقدم للأمة وشعبها من قبل مجموعة من مفكريها كانوا قد حملوا الهم سنين طويلة، أفي وقت الأزمات والكوارث تقدم الاستقالات ؟

الأمة أحوج ما تكون لمفكريها في مثل هذه الظروف من مراحل التطور والانتقال التاريخي؟ قد تكون هناك أسباب كثيرة وراء هذا التحول الفكري أو وراء هذا الصمت والاستسلام، ربما يعود إلى سياسة الواقعية السياسية العربية التي ظهرت بعد حرب أكتوبر وتوقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل تلك السياسة التي تعني بالمختصر المفيد سياسة الاستسلام للأمر الواقع واستسهال طريق الخضوع والقنوع والضعف مقابل عدو يتربص بالأمة ومعطياتها التاريخية والجغرافية والبشرية.

أو ربما يعود لعملية التدخين التي تمارسها الأنظمة الحاكمة ضد المثقفين، صحيح إنه من حق أي نظام أن يفعل ما يشاء للمحافظة على بقائه، ولكن هل من حق مثقف الأمة الحقيقي أن يساوم على مبادئه ويخون نفسه ووطنه، مقابل دراهم زائفة، أو قطعة أرض، أو أن يصبح مستشاراً في الديوان الملكي أو غير ذلك؟

أو قد يكون السبب وراء التحول يعود إلى طبيعة الأنظمة الشمولية التي تنتشر في الوطن العربي، فقد تكون هي المسؤولة عن ظاهرة تداعي الوعي ومرجعية الانحطاط الثقافي التي تدفع إلى تشويه الثقافة وتفرخ أشباه المثقفين المتبلدين تجاه حقوق الإنسان الغربي وقضايا المعدومين والمحرومين ومناظر الجثث والأشلاء. وبالتالي تدفع بالثقافة إلى هاوية عبودية الصمت والسكينة والوقار، أمام استشراء الفساد والمصالح.

أو ربما هو انتصار للثقافة الرأسمالية المادية التي أصبحت طابع المجتمعات في الوقت الحالي، تلك الثقافة التي تنشل الإنسان من قيمه ومبادئه وثوابته الوطنية وتعمل على تخديره بما تبثه في حياة الفرد من مظاهر استهلاكية ومادية قوامها حياة الدعة والرفاهية الزائفة المؤقتة المنتشرة في جميع نواحي الحياة سواء في المأكل أو الملبس أو الصورة والإعلام أو الذوق...

أو ربما يرجع السبب لما يعاني منه المثقف العربي من أزمات نفسية ذات طابع أناني، تجعل جل همه البحث عن الشهرة والأضواء، فكانت هذه الأزمات سبباً في ولادة مشاريع فكرية عقيمة بعيدة كل البعد عن هموم الإنسان العربي وأزماته السياسية والاجتماعية والثقافية.

لست هنا في صدد التنظير لأهمية الدور الذي يجب أن يلعبه المثقف في حياة المجتمعات والشعوب، ولكنني في صدد الدعوة إلى إعادة النظر مرة ومرات في الاستقالات الفكرية التي قدمها نخبة من مثقفينا العرب وكشفت عنها حرب لبنان الأخيرة، كما هي دعوة لإعادة النظر فيما يقدمه بقية المثقفين، فنحن بحاجة إلى مد جسور التواصل بين ما تحتاجه المجتمعات وما بين مشاريع الثقافة. وأخيراً تحية للمثقفين الصامدين على مبادئ الأمة وثوابتها الوطنية، ويلقون من جراء ذلك سوء الجزاء.

مركز زايد للتراث والتاريخ