توجهت أنظار العالم إلى إيران في التفاتة قوية تتناسب مع حجم وأهمية ما أعلنت عنه طهران في سياق سيناريو مدروس ومعد بشكل أتقن الإيرانيون إخراجه.
ففي يوم السبت، السابع والعشرون من أغسطس المنصرم، افتتح الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مشروعاً مهماً من مشاريع التكنولوجيا النووية، هو مصنع لإنتاج الماء الثقيل في آراك بقدرة انتاجية تصل إلى ستة عشر طناً في السنة في حالة استكمال المرحلة الثانية منه.
ولعل المختصين باستراتيجية الطاقة النووية والمختصين باستراتيجية صناعة القوة يدركون قبل غيرهم ما لهذه الخطوة من الأهمية، خاصة أنها جاءت قُبيل بضعة أيام من انتهاء المهلة الممنوحة لإيران من قبل مجلس الأمن الدولي لوقف عملية تخصيب اليورانيوم.
وبعد فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان في تحقيق أهدافه، وفي ظل الأجواء الأخرى المتوترة في منطقة الشرق الأوسط التي تنذر بمستقبل حافل بالمجهول، وبعد أن قامت إيران بتقديم ردها على حزمة المحفزات التي قُدمت إليها لوقف تخصيب اليورانيوم والذي يتلخص في الدعوة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات ورفض التوقف عن التخصيب.
فالخطوة التي اتخذتها طهران في افتتاحها لهذا المصنع هي في الحقيقة إشارة واضحة بأن إيران قد اجتازت نقطة اللا عودة في برنامجها النووي، وعلى المجتمع الدولي أن يتعامل معها كقوة نووية تفتح جميع منشآتها النووية لطلبة المدارس ولممثلي الدول الأجنبية من أجل إقناع العالم بأن برامجها وأهدافها سلمية فقط. فقد حرصت إيران.
في أكثر من مناسبة، على التأكيد للعالم بأن برامجها النووية لا تهدد أحداً، كما ورد ذلك في الكلمة التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد مؤخراً، والتي قال فيها «نحن لا نمثل تهديداً لأحد وبضمنهم الكيان الصهيوني العدو لسكان هذه المنطقة»، في مؤشر واضح على وجود بعض التخوف لدى إيران من ردود الفعل لهذا الإعلان.
وكانت الولايات المتحدة قد طالبت إيران في مرات عديدة سابقاً بوقف عمليات الإنشاء الخاصة بمفاعل الطاقة الذي يعمل بالماء الثقيل الذي تبلغ قدرته أربعون مليون واط مع ملحقاته، وبضمنها مصنع الماء الثقيل الذي افتتح مؤخراً.
ما الذي يوفره هذا المصنع لإيران من قدرات نووية تقلق دول المنطقة وتقلق الدول الغربية ؟ الماء الثقيل الذي سيُنتج في هذا المصنع مشابه تماماً للماء العادي في خواصه الكيميائية إلا أنه أثقل منه قليلاً بسبب احتواء كل من نواتي ذرتي الهيدروجين الموجودتين في جزيئة الماء على نيوترون .
إضافة إلى البروتون مما يجعل جزيئة الماء الثقيل أثقل من جزيئة الماء العادي، الذي يحتوي هيدروجينه على البروتون فقط، بما يعادل كتلتي هذين النيوترونين. والماء الثقيل يوجد في الطبيعة بنسبة ضئيلة جداً، حيث تحتوي مياه البحر على لتر واحد من هذا الماء مقابل احتواءها على ستة آلاف لتر من الماء العادي تقريباً.
وعملية استخلاص الماء الثقيل من الماء العادي هي الأخرى عملية معقدة تقنياً، ومشابهة من حيث المبدأ لعملية تخصيب اليورانيوم التي يتم فيها فصل نظير اليورانيوم 235 القليل التركيز من خامات اليورانيوم التي يطغى فيها نظير اليورانيوم 238.
سوف توفر التقنية الجديدة التي تسعى إيران للحصول عليها، وهي مفاعلات تعمل بالماء الثقيل، فرصة الحصول على موقع متقدم تكنولوجياً في الشرق الأوسط ويعزز دورها السياسي فيه، كما يُمَكِنُها من الحصول على وقود نووي يمكن أن يستخدم في صناعة سلاح نووي بكلفة أقل كثيراً من كلفة تصنيع هذا السلاح باستخدام اليورانيوم المخصب، وهذا مما يزيد من الصعوبات التي سوف تواجه إيران.
هنالك عدة أنواع من مفاعلات الطاقة النووية، بعضها يعمل باليورانيوم المخصب كمصدر للوقود، حيث يحاط قلب المفاعل بمادة مهدئة تعيد النيوترونات الهاربة من القلب إليه مرة أخرى للحفاظ على التفاعل النووي، وهذا النوع من المفاعلات يستعمل مهدئات رخيصة مثل الماء العادي. أما النوع الآخر فهو الذي يستخدم اليورانيوم الطبيعي كوقود وفي هذه الحالة يُستغنى عن عملية التخصيب، إلا أن المادة المهدئة تكون أكثر تعقيداً فهي إما أن تكون من الغرافيت العالي الكثافة أو من الماء الثقيل.
وأهمية هذا النوع الثاني من المفاعلات هو قدرته على توليد عنصر البلوتونيوم وهو عنصر أثقل من اليورانيوم 238 بمقدار كتلة نيوترون واحد، وهو يصلح لأن يكون وقوداً نووياً، فهو قابل للانشطار من جهة.
كما يسهل فصله في حالة إعادة معالجة قضبان الوقود النووي من جهة أخرى، فهو من الناحية الكيميائية ذو خواص تختلف عن خواص اليورانيوم. وقد استخدم هذا العنصر للمرة الأولى في صناعة القنبلة النووية التي ألقيت على مدينة ناغازاكي اليابانية في التاسع من أغسطس من عام 1945.
وهكذا تُعزز إيران برنامجها النووي الطموح بالحصول على التقنيات المختلفة لتشغيل المفاعلات النووية والتقنيات المختلفة للحصول على المواد النووية القابلة للانشطار والتي يمكن أن تُستخدم في صناعة الأسلحة النووية.
لا شك أن منطقة الشرق الأوسط تحفل بأزمات خطيرة منذ عدة سنوات، والإنجاز الإيراني الذي أُعلن عنه مؤخراً يزيد من الغموض الذي يلف مستقبل المنطقة.
ومن المتوقع أن تشهد الأيام القليلة المقبلة نقاشات حادة في مجلس الأمن الدولي حول الملف النووي الإيراني، فالمهلة التي مُنحت لإيران لوقف تخصيب اليورانيوم قد انتهت وليس في الرد الإيراني على المقترحات المقدمة إليها ما يشير إلى تهدئة مخاوف الغرب.
وتقوم الولايات المتحدة من جانبها بتصعيد حدة التصريحات الداعية إلى فرض العقوبات على إيران رغم ان آخر تقرير بعثته الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن الدولي يشير إلى عدم وجود أدلة ملموسة على وجود برنامج نووي عسكري في إيران.
سوف تجد الولايات المتحدة صعوبة في الحصول على إجماع في مجلس الأمن لفرض عقوبات على إيران، إلا أنها قد تستطيع استحصال قرار كهذا بعد موافقة الأغلبية في المجلس على ذلك إذا لم تستخدم الصين أو روسيا حق الفيتو، وهو على كل حال أمر مستبعد في الوقت الحاضر، رغم أن نائب رئيس الوزراء الروسي سيرجي إيفانوف استبعد فكرة فرض العقوبات على إيران في الوقت الحاضر.
إن فرض عقوبات على إيران ليس بالأمر السهل، فالحجم الذي يشغله هذا البلد في السوق العالمية ليس هيناً، وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية لا يضر بها وحدها وإنما يضر كذلك بدول أخرى عديدة لها مصالح مشتركة مع إيران، وبعض هذه الدول لها وزن كبير في الساحة الدولية.
فمنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في عام 1988 حرصت إيران على تطوير علاقاتها مع أوروبا، فهي المجهز الرئيسي للنفط لدول أوروبية عديدة منها فرنسا وإيطاليا وألمانيا، كما تعززت علاقات الصداقة بين إيران وكل من الهند والصين حيث تشترك هذه الدول الثلاث في كونها تخوض غمار نهضة صناعية متميزة تواجه فيها تحديات كبيرة تفرضها طبيعة الاقتصاد العالمي المعاصر، مما يجعلها متقاربة في مواقفها إزاء العديد من القضايا بسبب تفهم طبيعة العراقيل التي تواجهها.
ولإيران علاقات متميزة مع روسيا، فهنالك مصالح مشتركة بينهما لتطوير مصادر الطاقة في منطقة بحر قزوين ووسط آسيا والقوقاز، وقد أصبحت مبيعات السلاح الروسي إلى إيران مصدر قلق لبعض الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae