لم يقنع البعض بالانتصار الواضح الذي حققته المقاومة في لبنان وراح يخلط الأمور ببعضها، ولم يتوان بالتطاول على الضحايا وممارسة أسلوب الشماتة، حيث أشلاء الأطفال والنساء والعزّل لا تزال تحت ركام الأبنية التي خربها الطيران الإسرائيلي بالقذائف الذكية ذات الأطنان الضخمة تحت سمع وبصر المجتمع الدولي المرهف، القلب والوجدان، الذي أعطى فرصة سماح أولى وثانية وثالثة لكي تكمل حكومة إيهود أولمرت حربها الوحشية ضد القرى الآمنة والبيوت الوادعة.

وذلك بحجة «ولادة شرق أوسط جديد من أشلاء الأطفال على ما قالت ناظرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.كل هذا الانتصار الواضح لم يقنع للأسف الشديد أولئك المزايدين والنافخين في مرجل الفتنة والهزيمة.

واتخذوا من تصريح قائد المقاومة الأخير الذي اعترف فيه بشفافية أن «المقاومة لو كانت تعلم حجم الرد لما أقدمت على قرار خطف جنديين إسرائيليين»، حجة واهية لتوجيه المزيد من الانتقاد للمقاومة والانضمام إلى معسكر أعدائها وخصومها.

وهناك من ذهب إلى مطالبة قائدها السيد حسن نصرالله بالاستقالة وآخرون اعتبروا هذه التصريحات اعترافاً بالهزيمة، وإنما بشكل ملطف، فيما الواقع يؤكد ان البعض سلخ هذا الكلام من سياقه الذي قيل فيه، وحاول توظيفه بإطار آخر يخدم اغراضاً واستراتيجيات تؤدي في نهاية المطاف إلى ان المقاومة اللبنانية قامت بمغامرة فاشلة.

واعتدت على «بلد جار ومسالم»، لا يحتل أرضاً، ولا يحتجز أسرى لديه منذ ثلاثين عاما، ولديه سجل حافل من الحروب والاعتداءات الممتدة على مدى أربعين عاماً على العرب، لم يحتج فيها للتبريرات والحجج لكي يحتل أرضهم ويخترق أجواءهم ومياههم كل يوم وكل لحظة.

إن الذين ينظمون هذه الحملة هم بالحقيقة ساخطون في قرارة أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن المقاومة ستخرج من هذه الحرب مهزومة، ولذلك بدأنا نسمع من الداخل اللبناني أن بعض الأطراف كانت تحرض على المقاومة وعلى إكمال مخطط الإجهاز عليها، لأن هذه المقاومة وفق قناعتها كبرت كثيراً.

وينبغي القضاء عليها ولو بالتحالف مع العدو الإسرائيلي، وها هي معطيات المعركة وبعد ثلاثة وثلاثين يوماً استطاعت المقاومة أن تحقق منجزات كبيرة اعترف بها أولمرت في جولته على المستوطنات المدمرة بأن حكومته أخفقت في المعركة فيما أعلنت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية أن نزع سلاح المقاومة وتفكيكها لا يستطيع أن تنفذه أقوى الجيوش في العالم. أليس هذا اعترافاً بالهزيمة، يا أيها المبشرون بالهزيمة؟!

إن قائد المقاومة عندما أعلن بشفافية واضحة أنه لو كان يعلم بحجم الرد الإسرائيلي لما قامت المقاومة بأسر الجنديين، ولكنه كشف بنفس المقابلة أن إسرائيل كانت تجهز لهجوم وحشي ضد المقاومة في شهر سبتمبر الحالي. وأنها كانت تنوي توجيه هجوم ساحق ماحق في الأسبوع الأول من رمضان وفي توقيت قاتل أي ساعة تناول الإفطار للإجهاز على قادة وكوادر ومسؤولي المقاومة.

ومن بعدها يبدأ هجوم واسع النطاق لاجتثاث المقاومة وفق القرار الدولي 1559 القاضي بنزع السلاح، هذا القرار الدولي المشبوه الذي اعترف وزير خارجية إسرائيل السابق شالوم متباهياً بإقراره مع دول أخرى هو المسؤول عن الكارثة التي حلّت بلبنان منذ اغتيال الشهيد رفيق الحريري وحتى العدوان الوحشي على لبنان.

إن الجهة التي ينبغي أن تحاسب على جرائمها التي ارتكبتها بحق لبنان وشعبه هي الجهة التي تواطأت مع الذين ساهموا بإنشاء هذا القرار الدولي الفتنة، وان الجهة التي ينبغي أن تعترف بهزيمتها وتستقيل من مواقعها السياسية تلك القيادات اللبنانية والأجنبية التي فشلت في تطبيق هذا القرار بالدبابة والطائرة الإسرائيلية.

إن أفضل تعبير أطلقته ضد هؤلاء المتواطئين ضد المقاومة هي السيدة علياء الصلح ابنة صانع الاستقلال في لبنان رياض الصلح التي وصفت مواقفهم ومؤامراتهم بـ «العيب» لأنه كما قالت إن السيد حسن نصرالله لو كان ينافسهم على كراسيهم ومناصبهم السياسية في لبنان لما احتاج لأقل من دقائق، لأن قصر بعبدا لا يبعد عنه أكثر من كيلومترات قليلة.

ولكن كما يبدو فإن الثقافة السائدة حالياً في لبنان وفي منطق هذه الفئة هي ثقافة ثكنة مرجعيون، كما يقول الكاتب جوزف سماحة حيث تم استقبال الجندي الإسرائيلي بالحلوى والشاي والراية البيضاء، ولكن تبقى هذه المحاولات كلها مجرد لعب على الكلام كما استساغ البعض الكلام مع الأعداء على أنه القضاء والقدر.