لم تكن الحرب التي نشبت بين لبنان وإسرائيل في الثاني عشر من يوليو الماضي واستمرت نحو خمسة أسابيع، ارتكبت خلالها القوات الإسرائيلية أفظع جرائم الحرب، لم تكن تلك الحرب التي اعتبرت السادسة في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية إلا فصلاً آخر دامياً من فصول صراع طويل مديد بين القوى الاستعمارية الدولية، التي تشكل إسرائيل امتداداً لها وذراعاً، وبين شعوب المنطقة الذين يذودون عن أرضهم وحضارتهم وتاريخهم وحقهم في بناء مستقبلهم.
الانتصار الذي حققه حزب الله كقوة مقاومة على إسرائيل التي يضج كل ما فيها بآثار الهزيمة يشكل مفصلاً في هذا الصراع، إما أن يؤدي إلى تسويات لمصالح واستراتيجيات القوى المتصارعة، وإما أنه يؤدي إلى المزيد من الحروب الدموية. ولأن الانتصار اللبناني وصمود المقاومة في فلسطين،
لم يكونا ساحقين ولم يؤديا إلى استسلام الخصم، كما يقع في معظم الحروب الكبرى، وأيضاً لأن الحرب العربية ضد المحتل الصهيوني، تستهدف وجود إسرائيل كوجهة أخيرة، كما عبر عن ذلك نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية العجوز شمعون بيريز، فإن من غير المتوقع أن تسلم إسرائيل بنتائج هذه الهزيمة التي لحقت بها.
فمنذ أن وضعت الحرب أوزارها يوم الاثنين الموافق 14/8، إثر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، يحضر الإسرائيليون أنفسهم لحروب أخرى، مرة لما يزعمون أنها لدرء الخطر الإيراني، وأخرى لمجابهة حالة التعبئة المستمرة في سوريا، وكل الوقت «لتنظيف» لبنان من كل المقاومة وآثارها، فضلاً عن المقاومة الفلسطينية.
الكثيرون توقعوا أن تصعد إسرائيل عدوانها على الشعب الفلسطيني بعد توقف عدوانها على لبنان، وهو ما تشهد عليه وقائع السلوك الإسرائيلي بالملموس حيث سقط على يد القوات الإسرائيلية منذ 25/6 وحتى 25/8 ثلاثمئة شهيد فلسطيني ومئات الجرحى، فيما اشتد الحصار وتكررت الاجتياحات الإسرائيلية حتى باتت يومية ضد المدن والقرى الفلسطينية في الضفة وغزة.
وفيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس، أنه سيتقدم للحكومة باقتراح لرصد سبعة مليارات من الدولارات لإعادة تأهيل وتذخير الجيش الإسرائيلي استعداداً لجولات قادمة، فإن الصحافة الإسرائيلية نشرت خبراً عن أن مسؤول الأمن الداخلي قد وضع قائمة استهداف لقيادات وكوادر فلسطينية تضم مبدئياً ثلاثمئة، مرشحة لأن ترتفع إلى نحو ألف مستهدف بالاغتيال.
وبقدر تعلق الأمر بالقوى الاستعمارية الدولية المتحالفة بقوة مع إسرائيل فإن الإدارة الأميركية لا تزال تظهر عناداً شديداً إزاء ضرورة إخضاع المنطقة حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة وإشعال المزيد من الحروب، فهذا وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، يخرج بعد صمت ليعلن أن بلاده قادرة ومستعدة لخوض حرب جديدة.
الحروب يمكن أن تنشأ بسهولة في هذه المنطقة لأبسط الأسباب، طالما أن النار تظل متقدة تحت الرماد، فحتى الحرب الأخيرة بين إسرائيل ولبنان، كانت مفاجئة لحزب الله، الذي قال أمينه العام حسن نصر الله، إنه لم يكن يتوقع أن يؤدي اختطاف جنديين إلى وقوعها. هذا يعني من ناحية أن قرار شن الحرب والعدوان سابق على اختطاف الجنديين، كما أنه يعني أن الحرب يمكن أن تقع لأسباب وذرائع بسيطة.
على صعيد آخر، فتحت الحرب وأحجبت ملفات أخرى ساخنة لا تتفق القوى الدولية كلها على ضرورة معالجتها عبر القوة والحروب، الأمر الذي يفتح نافذة أخرى يمكن أن تشكل مدخلاً لإحياء وتوسيع خيار المساومة والسلام. فلقد شكلت الحرب، مهمازاً، للدول العربية، أو لنقل عدداً منها، للبحث أكثر وبشكل جدي في حال العرب،
ونحو بحث التحديات الإستراتيجية التي واجهتهم خلال العقود الستة الماضية، وعجزوا عن مواجهتها. لقد كان هذا جوهر حديث الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، خلال مؤتمره الصحافي السبت الماضي، حيث قال إن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله ينتظر نتائج دراسة من هذا المستوى، ليتبناها ثم يقدمها إلى الإطار العربي.
الحرب الأخيرة أثبتت أن العرب قادرون على التأثير في السياسات الدولية حينما تتفق كلمتهم وإرادتهم. ليس فقط الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي فتح ملف فشل عملية السلام، ووعد بجهد عربي لإعادة إحيائها وإنما العديد من المسؤولين الدوليين أيضاً لعل أهمهم، الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي أدلى بخطاب قوي ، طالب فيه بإعادة إحياء عملية السلام،
واستعادة اللجنة الرباعية الدولية لدورها. الملف العراقي مفتوح كل الوقت، والفلسطيني كذلك، ويتصاعد التعامل مع الملف النووي الإيراني، فضلاً عن استمرار وتصاعد النشاطات الإرهابية في عدد من دول المنطقة والعالم أيضاً.
الحرب ونتائجها فتحت أمام الفلسطينيين والعرب، ومن يؤيدون خيار المساومة والسلام في العالم، فتحت فرصة جيدة وسانحة، لا يبدو أن الأطراف المعنية بذلك جاهزة لالتقاطها واستثمارها. ففي ظل المتاعب التي تواجهها الولايات المتحدة نتيجة حروبها في أفغانستان والعراق، ودعمها للحروب الإسرائيلية في فلسطين ولبنان، وحروبها الشاملة ضد ما تسميه الإرهاب،
والتكاليف الباهظة المادية والمعنوية والأخلاقية والبشرية التي تتكبدها، وأيضاً بسبب فشل هذه السياسات وبداية صحوة الشارع الأميركي على سوء إدارته، هي اليوم أكثر قابلية للتراجع، إذا حزم العرب والاتحاد الأوروبي بالدرجة الأساسية أمرهم نحو إعادة بناء عملية سلام منصفة وموضوعية، لابد أن تقوم على قرارات الأمم المتحدة وفي إطار جهد دولي ينبثق عن مؤتمر دولي للسلام أخذت الكثير من الدول تدعو إليه.
وفي إسرائيل، ثمة حالة من الغليان الداخلي تنبئ بتطورات شاملة، على خلفية الهزيمة التي لحقت بها، واعترف بها مؤخراً ومتأخراً رئيس الحكومة، الذي اضطر لتشكيل لجنة تقصي حقائق لبحث أوجه التقصير، وفي إسرائيل أيضاً تتصاعد الشكاوى والمطالبات باستقالة أولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس، ورئيس الأركان دان حالوتس.
ففي استطلاع للرأي نشرته الأسبوع الماضي صحيفة «يديعوت أحرونوت»، جاء أن 61% يؤيدون استقالة أولمرت و74% يؤيديون استقالة بيرتس، فيما يؤيد استقالة حالوتس 54%. الاستطلاع ذاته يشير إلى تراجع شعبية أولمرت، حيث أبدى 74% استياءهم من إدارته لشؤون الدولة لا سيما خلال الحرب، فيما تتقدم شعبية اليمين خصوصاً بنيامين نتانياهو زعيم الليكود.
وعدا عن نتائج الحرب فإن الملاحقات القضائية التي تتعلق بالفساد الأخلاقي تلاحق أهم رموز الكيان. فهذا رئيس الدولة موشيه كتساف يخضع للتحقيق بتهمة التحرش الجنسي بالجملة. ومثله وزير القضاء حاييم رامون الذي استقال على خلفية تهمة مشابهة، وذاك أولمرت ذاته، يتهم باستغلال نفوذه لتوظيف بعض أعضاء حزبه من خلال الواسطة وليس الكفاءة.
إسرائيل تهتز من الجذور، وتداعيات الهزيمة لا تزال تظهر وتتبلور بين الحين والآخر، وقد اضطرت حكومتها للتخلي مؤقتاً عن ما تسميه «خطة التجميع»، وهو المصطلح الذي يستخدم للإشارة إلى خطة الفصل أحادي الجانب في الضفة، التي شكلت جوهر برنامج حزب أولمرت «كاديما» ونال على أساسه تأييد الجمهور له في الانتخابات الأخيرة.
إسرائيل تتخبط بسبب عدوانيتها وهزيمتها وصمود الفلسطينيين، وهي أقل قدرة على فرض مخططاتها. لكن المشكلة هي في أن الأطراف الأخرى المعنية باستثمار هذا الوضع، تتخبط بدورها، ولا تملك مقومات الفعل المؤثر. وإذا كان النظام الرسمي العربي قد أظهر غير مرة، عجزاً واضحاً عن الدفاع عن مصالح الأمة العربية، وهو يحتاج إلى الكثير من الوقت لإعادة بنائه على أسس وقواعد سليمة، فإن الفلسطينيين يعانون من الانقسام والفوضى وغياب البرنامج المتفق عليه، والإرادة الواحدة في العمل.
منذ فترة ليست قصيرة، وبعد جهد جهيد اتفق الفلسطينيون على وثيقة الوفاق الوطني لكنهم يضيعون الوقت، بدون أن يدركوا سبيل التوحد وتشكيل حكومة وحدة وطنية وقيادة موحدة. من الغريب أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أخذت في الآونة الأخيرة تكثف اجتماعاتها، بعد نوم عميق وطويل،
ومثلها فعلت اللجنة المركزية لحركة فتح التي اجتمعت مؤخراً في عمان، لكن كل هذه الاجتماعات لا تبدو كافية لرأب الصدع، بل ربما تؤدي إلى المزيد من الانقسامات كما يتضح، فيما الشارع الفلسطيني يعيش حالة من الغليان والسخط بسبب الآثار الكارثية للحصار الإسرائيلي، وبسبب الفلتان الأمني الداخلي والفوضى العارمة دون أن يجد من يفتح له طاقة من التفاؤل والأمل.
كاتب فلسطيني