طوال تاريخها اشتهرت مصر عربياً بإنجاب عباقرة في شتى مناحي الحياة، في الأدب والفكر والدين والسياسة والعلوم والفنون بل وحتى في الرياضة. وبموت الأديب نجيب محفوظ قبل ثلاثة أيام يكاد المرء لا يجد قامة بحجمه في أي من المجالات السابقة. قبل رحيله، غاب عنا أيضا طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس في الأدب.

وزكي نجيب محمود في الفكر والفلسفة، ومحمد متولي الشعراوي ومحمد الغزالي في علوم الدين، واحمد مستجير في الزراعة، وأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ في الغناء، وجمال حمدان الذي كان وحده موسوعة شاملة تمشي على قدمين أي واحد من هؤلاء الراحلين كان بحجم أمة كاملة، كان ضمير مجتمع بأكمله.

برحيل هؤلاء ماذا تبقى من قامات سامقة في مصر؟ بالطبع الأمم الحية لا تموت وقادرة دائما على إنجاب المبدعين لكن يصعب على المرء كثيرا الإجابة بالنفي، لكنها الإجابة التي تبدو أقرب إلى الحقيقة تماما، قد تغضب هذه الإجابة كثيرين، لكنها تظل تصفعنا صباحاً ومساءً بان ساحة الفكر والفنون والآداب والعلوم في مصر تعرضت وتتعرض لعملية تجريف منظمة،

بحيث أصبحنا نعيش في ما يشبه الصحراء الجرداء الخالية من أي دليل ينير حياتنا، بتنا أسرى لأنصاف الموهوبين وأنصاف المثقفين وأنصاف الأدباء وأنصاف رجال الدين. وحتى من نبغ مؤخراً وحصل على تقدير عالمي مثل أحمد زويل أو محمد البرادعي وغيرهما، فقد كان نتاجا لبيئة خارجية تماماً.. هربوا من مصر فراراً من مناخها العلمي والفكري الضاغط.

هذه الحالة هي جريمة كاملة اخطر من كارثة.. هي أخطر من الغزو العسكري أو الاحتلال، فمن هو المسؤول عنها؟ منذ عام 1970 تقريبا أصبح الشاغل الأكبر للحكومات المتعاقبة هو تدجين النخبة والمثقفين والعلماء على اختلاف مشاربهم، وبدلا من تنمية قدراتهم والاستماع إليهم والاستفادة من خبراتهم والحفاظ على استقلالهم الفكري جرت أكبر عملية شراء لهم أو مطاردتهم، بحيث لا يتحولون في النهاية إلى ضمير للمجتمع يوجهه نحو الطريق الصحيح.

كثيرون يرتكبون مغالطة كبرى حينما يقولون ان القامات الفكرية والأدبية التي رحلت في السنوات الأخيرة هي نتاج مرحلة الاستعمار الذي سبق قيام ثورة يوليو عام 1952، وبعضهم يعيد صياغة العبارة معتبرهم أبناء الحقبة الليبرالية خصوصا في الأربعينات، ويتناسى هؤلاء ان معظمهم مثل طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ على سبيل المثال هم أبناء شرعيون لثورة 1919،

التي كانت ثورة يوليو هي امتداد طبيعي لها.. ينسى هؤلاء المأخوذون بمهاجمة ثورة يوليو وزعيمها جمال عبدالناصر أن جميع المفكرين والمثقفين والأدباء العظام أبناء الحقبة الليبرالية أو الوطنية المصرية لمعوا وقدموا غالبية إنتاجهم الأدبي والفني والعلمي في عز سطوح المرحلة الناصرية خصوصا في الخمسينات والستينات.

بالطبع ثورة يوليو لم تكن ملائكية أو مبرأة من العيوب، وارتكبت أخطاء وخطايا قاتلة في مجالات شتى، لكن الصحيح أيضا أنها شهدت أكبر عملية تقدم في غالبية المجالات خصوصا في الأدب والفنون. ليس هذا حسابا للماضي أو تصفية للحسابات عمن المخطئ ومن المصيب، لكن السؤال الذي ينبغي أن ينشغل به الجميع هو المستقبل، هو باختصار كيف وصلنا إلى هذه المرحلة الصحراوية فكرياً وأدبياً وعلمياً. وكيف يمكننا الخروج منها؟

هناك عبء يقع على المثقفين والعلماء أنفسهم بحيث يجب ان يظلوا على مسافة ما من السلطة..أي سلطة، حتى لو كانت عادلة، بوصلتهم يجب أن تكون مع الناس والجماهير طوال الوقت، العبء الأكبر يقع على السلطة نفسها، فهي لا تدرك بحكم قصر نظرها التاريخي ان تدجين المثقف والعالم سيصيبها هي في النهاية، قد تكسب هذا المثقف لبعض الوقت، لكنها حينما تفسده وتدجنه بالشراء أو القمع، فهي لن تجد أمامها في النهاية سوى المتطرفين من كل لون، وتجربة بعض الانتخابات العربية في السنوات الأخيرة خير دليل على ذلك.

المثقف والعالم والمفكر الحقيقي كنز لأي دولة تدرك قيمته، وحجم تأثيره في الجماهير.. لكن المشكلة أننا إزاء حكومات لا تملك عقلاً أصلاً، فكيف نراهن عليها في حماية بقية العقول؟

emadiraqi@yahoo.com