بدأ (الجرح يبرد) في لبنان بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي عليه، وأخذت تظهر إلى العلن الخلافات والتناقضات وتعدد الرؤى لقرار مجلس الأمن (1701) وتطبيقاته والرغبات المتفاوتة في أهداف القرار وأساليب التطبيق، واخذ كل فريق سياسي لبناني يحاول الاستفادة القصوى من تداعيات هذا القرار وإدخاله في تشكيل لبنان ما بعد العدوان وحسم قضايا ومواقف ومطالب لم تستطع طاولة الحوار بين فئات لبنان السياسية التي دامت بضعة أشهر أن تحسمه،

وباختصار أخذ كل فصيل لبناني (يلبنن) القرار وكأنه وجد لحل قضايا الصراع بين الفصائل السياسية اللبنانية لا الصراع بين لبنان والعدو الإسرائيلي، أو كأن مهمة القرار الأساسية نصرة هذا الفريق ضد ذاك والاستجابة لمطالب البعض دون البعض الآخر.

شعر الجميع بالسعادة خلال العدوان للموقف اللبناني الموحد الصامد الذي شاركت فيه جميع مكونات المجتمع اللبناني حيث بدا لبنان كتلة صلبة متراصة متعاونة مدركة ضرورة وحدة الموقف والمصير أجّلت الخلافات الثانوية وبحثت عن كل ما يوحد،

وتحمل اللبنانيون جميعاً عبء العدوان دون شكوى أو امتعاض ولم يتوقفوا كثيراً عند البحث عن أسبابه ولا حتى نتائجه وكان موقف الشعب اللبناني ومكوناته موقفاً وطنياً واحداً موحداً، وتراجعت إلى حد التلاشي (تكتكات) السياسيين ومناورات بعضهم تجاه البعض الآخر، ونحى الناس جانباً خلافاتهم، وبالإجمال كان الشعور الوطني العالي هو القائد والسائد.

شعر الجميع بالسعادة داخل لبنان وخارجه لاتفاق الفئات السياسية جميعها في مجلس الوزراء والتفافهم حول دولتهم وحكومتهم وإبقاء رفضهم لقرارات الحكومة في حدود التحفظات وإصدارها بالإجماع في نهاية المطاف، والبحث الجدي والمسؤول عن توافقات لابد منها للصمود وتوحيد الموقف الوطني،

وغيرت الفئات السياسية سلم أولوياتها ليتناسب مع التوافقات الوطنية والمحافظة على الصمود بوجه العدوان الإسرائيلي الوحشي، وصولاً إلى الموافقة على قرار مجلس الأمن (1701) رغم غموضه وجوره وعدم أخذه بالاعتبار المصالح اللبنانية، وتم قبوله على أساس أنه الأقل سوءاً وليس بالإمكان أفضل مما كان في مناخ رسمي عربي متراجع ومزاج دولي تابع لموقف أميركي معاد لأقصى حدود العداء.

توقفت الأعمال العدائية (حسب القرار) وبدأ تطبيقه على الأرض، وأخذ كل من الداخل اللبناني والقوى الإقليمية العربية والعدو الإسرائيلي والإدارة الأميركية والدول الأوروبية يحاول أن يوظف القرار لمصالحه (حتى لو كان ذلك على حساب لبنان الدولة والوطن) والكل يعمل لأخذ ما استطاع من قطعة الجبنة اللبنانية متذرعاً بتطبيق القرار ومستغلاً غموضه وتعدد تفاسيره، باحثاً عن ثغرة هنا وأخرى هناك وعن فرصة قد تلوح أو إمكانية لاينبغي أن تهرب.

تحاول الحكومة الإسرائيلية تفسير القرار (وبالتالي تطبيقه) بما يعوض عليها ما فشلت في تحقيقه بعدوانها كي تنسي الإسرائيليين خيبتهم من قدرة جيشهم التي كانوا يرونها مطلقة، ومن تردد حكومتهم خلال العدوان التي كانت تبدو كحكومة هواة وبدأت بعد العدوان تحاول إثبات أن أهداف العدوان تحققت بعودة المقاومة إلى ما وراء الليطاني وبمحاصرة لبنان براً وبحراً وجواً (لتجفيف) منابع تسلحها،

معتبرة أن وجود القوات الدولية يشكل حاجزاً أمنياً يمنع قصف مستعمراتها وبالتالي تريد أن تقول انها لم تفشل وأن جيشها انتصر وأن الأهداف السياسية من العدوان تحققت كلها أو جلها. وتشاركها الولايات المتحدة هذه المزاعم وتعتبر نفسها بدورها أنها ما زالت على قوتها في لبنان والمنطقة وأن نفوذها سيعود بطرق أخرى.

تستغل بعض الدول الأوروبية الفرصة لتجدد شبابها وتقوي نفوذها وتقنع ناخبيها وحلفاءها في الاتحاد الأوروبي بأنها ذات نفوذ ودور، وربما تعتقد أن نجاحها في ذلك قد يفتح لها نوافذ للدخول لقضايا عالمية أخرى، ولا يخفى النشاط الفرنسي والإيطالي والألماني على أحد، سواء بإرسال قوات ضمن (اليونيفيل) أم تقديم مساعدات تقانية (ولوجستية) للدولة اللبنانية مما يبرر لهذه الدول القول ها نحن هنا.

أما الدول العربية فبعضها اكتفى بتقديم المساعدات والبعض الآخر بالتوسط والبعض الثالث يفتش عن أوراق في لبنان تساعده في قضايا أخرى، وجميعها كما يبدو خارج اللعبة ولكن عينها على الجبنة اللبنانية. رغم خطورة الممارسات (والنوايا) الإسرائيلية والأميركية والعمل الأوروبي الحثيث للحصول على دور وهشاشة وقف العمليات العدوانية والدمار الذي لحق بلبنان والذي قضى على تنمية عقدين،

فإن الأخطر هو الوضع الداخلي اللبناني الذي أخذت تبايناته بل تناقضاته تطل برأسها، وبدأت بعض قواه السياسية تحاول بدورها توظيف قرار مجلس الأمن في ضوء حساباتها الداخلية ومصالحها الحزبية أو الفئوية، وعاد أمراء الطوائف في لبنان يستعيدون دورهم ومناوراتهم وذلك كله في النهاية على حساب لبنان الوطن والدولة.

وجدت الحكومة اللبنانية في القرار فرصتها (وهي محقة) لتستعيد دورها كقوة أساسية لها وحدها الحق باتخاذ قرار السلم والحرب ونشر جيشها على كامل التراب الوطني واتخاذ القرارات التي تراها كحكومة منتخبة ديموقراطياً، وتسعى لأخذ سلطتها كاملة ولتكون المصدر الأساس للقوة والقدرة وصاحبة الحق بإعادة الإعمار وتلقي المساعدات وفرض السياسات وبالإجمال التصرف مثل أية حكومة تمثل الأكثرية.

ولكن هناك قوى سياسية تشارك في الحكومة تريد الاستفادة من القرار لتجريد المقاومة من سلاحها وتحويلها إلى حزب سياسي كغيره من الأحزاب الأخرى والدخول بالدولة (بجيشها ومؤسساتها) وتسليم سلاحها، والعمل من خلال اللعبة السياسية لتحقيق أهدافها. وقوى أخرى تحاول الاستفادة من القرار ليعينها في عدائها ضد سوريا وإضعاف النظام السوري وتجريده من نفوذه اللبناني من خلال تطبيق القرار والاستفادة من القوى الخارجية التي تدعمه.

وتعمل المقاومة بدورها وبالتحالف مع قوى سياسية لبنانية غير مشاركة في الحكومة لتشكيل حكومة جديدة (حكومة وحدة وطنية) مستفيدة من الصمود الذي حققته خلال العدوان، انطلاقاً من أن الفئات الحليفة لها ستشارك في هذه الحكومة وسيكون موقفها على أية حال أقوى داخل الحكومة مثلما هو أقوى خارجها، وتشكل مع حلفائها ثقلاً يصعب اتخاذ أي قرار دون موافقته.

هذا فضلاً عن وجود فئات لبنانية عديدة مذهبية أو طائفية تسعى بدورها لاستعادة نفوذ فقدته أو تحافظ على نفوذ كسبته، وذلك كله استقواء بقرار مجلس الأمن وتداعياته. اعتقد الكثيرون أن صمود الشعب اللبناني خلال العدوان ووحدة موقفه ستؤدي إلى العودة إلى مرجعية المواطنة وقيامة لبنان الجديد، لكن يبدو أن لأمراء الطوائف (سبع أرواح) وبأيديهم سبعة مفاتيح.

كاتب سوري