تراجع الحديث عن الشرق الأوسط الجديد مع الهزيمة التي حاقت بإسرائيل في حربها ضد المقاومة اللبنانية. وعندما كان الحديث في بدايته، تقدمت تركيا إلى الصدارة عارضة القيام أولاً بدور الوساطة ثم المشاركة في القوات الدولية لحفظ السلام في لبنان وذلك من اجل أن تؤمن لنفسها دورا مركزيا في تفاعلات المنطقة في المرحلة المقبلة.

فهل ذلك يعنى أن تركيا ستتقدم إلى الصدارة في هذه التفاعلات، خاصة وان التطورات فرضت على الولايات المتحدة أن تتوارى إسرائيل في الخلفية ولو مؤقتا. والواقع أن لتركيا العديد من المقومات الضرورية للعب هذا الدور المهم وفقا للرؤية الأميركية

وفى مقدمة هذه المقومات أنها تمثل الإسلام السني في الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة أن تحاصر صعود الإسلام الشيعي ممثلا في كل من إيران وشيعة العراق الذين أصبحوا يسيطرون على الدولة العراقية وأخيرا حزب الله اللبناني.

ولتركيا تراث تاريخي في حصار الإسلام الشيعي وان اتخذ هذا الأمر طابعا قوميا حيث حالت حينما كانت تمثل بالإمبراطورية العثمانية دون تمدد الإمبراطورية الصفوية الفارسية شيعية المذهب التي كانت توجد في إيران نفوذها الإقليمي.

وقد حالت تركيا بالذات دون أن تسيطر هذه الإمبراطورية على العراق وظل النزاع بين الجانبين حول هذا البلد العربي الذي يقع على الحدود بين الإمبراطوريتين الكبيرتين في ذلك الوقت بالطبع وهو نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

والى جانب أن تركيا سنية المذهب وظلت على مدى التاريخ الحديث تمثل دور الحامية لهذا المذهب وأبنائه في مواجهة الشيعة الذين تخشى الولايات المتحدة أن يسيطروا على منطقة الشرق الأوسط في الوقت الراهن والفترة المقبلة،

فان تركيا لها ميزة أخرى تعد احدى المقومات الرئيسية لدورها المنتظر في منطقة الشرق الأوسط، وهذه الميزة هي أنها أصبحت تمثل بالنسبة للولايات المتحدة التطبيق المعتدل للإسلام الذي يجري مصالحة بين الإسلام والحداثة وبينه وبين التعددية السياسية وبين التطبيق الديمقراطي الحديث والنموذج الذي يمزج بين الإسلام وبعض التقاليد الراسخة في الثقافة الغربية مثل التسامح و العلمانية وغيرها.

ولم تخف الإدارة الأميركية في السنوات الأخيرة رغبتها في أن يكون النموذج التركي في التطبيق الديمقراطي هو المطبق في كل الدول الإسلامية الصديقة لها. وكان مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي سبق وأعلنه الرئيس الأميركي جورج بوش مستمدا في بعض نقاطه الرئيسية من التطبيق التركي في السياسة والاقتصاد،

خاصة وان تجربة وجود حزب إسلامي أو ذي جذور إسلامية في السلطة عبر صناديق الانتخاب وعدم استبعاده للقوى السياسية الأخرى وعدم تقويضه لأسس الدولة العلمانية نجحت بالصورة التي دفعت الولايات المتحدة لتطبيقها في دول أخرى

من اجل أن تتحول هذه الدول إلى الديمقراطية من دون أن تتخلى عن طابعها الإسلامي. وبالتالي فان احد أهداف الدور التركي المنتظر في منطقة الشرق الأوسط هو تصدير النموذج السياسي التركي إلى دول المنطقة من دون أن يبدو ذلك وكأنه مفروض من قبل قوى خارجية أو دول تعادي الإسلام.

وثالث مقومات هذا الدور التركي هو أن تركيا تحتفظ بعلاقات طيبة مع كافة دول المنطقة حتى تلك الشيعية التي تسعى الولايات المتحدة لحصارها وعزلها ونقصد بها إيران بالطبع، فالمتابع لمواقف تركيا من الصراع العربي الإسرائيلي يدرك أنها اتخذت مواقف متوازنة وداعمة للحق العربي وللشعب الفلسطيني وكانت من الدول الأولى التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية.

ولكنها على الرغم من ذلك كانت لديها علاقات قوية لكنها غير رسمية مع إسرائيل وذلك لأنهما معا كانتا من دول التحالف الغربي التابع للولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الاتحاد السوفييتي لكن تركيا تبنت موقفها المتوازن لأسباب تتعلق بمصالحها الاقتصادية مع كل من دول الخليج وليبيا وذلك على النحو الذي فسره فيليب روبنز في كتابه المتميز «تركيا والشرق الأوسط ».

والسؤال الذي يفرض نفسه على جدول أعمال الشرق الأوسط هو إذا كان الدور التركي الرئيسي في تطورات الشرق الأوسط هو أمر ضروري ومطلوب وفقا للإستراتيجية الأميركية وبناء على الحسابات التركية الخاصة بان تكون جسرا للتواصل بين أوروبا والعالم العربي

بما يجعل من انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي أمراً ضرورياً لهذا الاتحاد الذي تعتبر المنطقة العربية أساسية له من الناحيتين الإستراتيجية والاقتصادية، فهل هذا الدور سينطلق من النظام الإقليمي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على المنطقة أم انه سوف ينطلق من التوازنات الحالية في المنطقة التي لا تزال حتى الآن لا تريد أن تتكيف مع الإستراتجية الكونية للولايات المتحدة الأميركية ؟

والإجابة عن هذا السؤال تتطلب معرفة مدى جدية الولايات المتحدة في فرض نظامها الإقليمي الجديد على دول المنطقة. وتطورات المرحلة المقبلة التي يمكن أن تشهد تفعيل مسارات تفاوضية ومحاولات لجذب لبنان لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.