الثورات الملونة التي حملت تباشير الديمقراطية الأميركية لبعض دول العالم وخاصة جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا وقيرغيزيا وغيرها، هذه الثورات التي هللت لها وسائل الإعلام الغربية كثيرا بدأت تتآكل وتندحر بهدوء ودون تهليل إعلامي يكشف كذب ادعاءات هذه الديمقراطية التي ترفضها الشعوب،

وكانت فضيحة هذه الثورات كبيرة في أوكرانيا التي انعصرت فيها مؤخرا الثورة البرتقالية داخل معصرة العلاقات الوطيدة والقوية والتاريخية بين الشعبين الروسي والأوكراني، واللذان هما في الأساس شعب واحد ذو عقيدة دينية وقومية واحدة ومصالحهما وأمنهما واحد، وهذا ما عبرت عنه بوضوح الانتخابات البرلمانية الأخيرة في أوكرانيا،

والتي فاز فيها بجدارة «حزب الأقاليم» الذي يتزعمه فيكتور يانكوفيتش الذي أسقطته الثورة البرتقالية عام 2004، وليسيطر على الأغلبية البرلمانية مع الحزبين الاشتراكي والشيوعي، بينما لم يحصل حزب حليف الغرب وواشنطن قائد الثورة البرتقالية يوشينكو على أكثر من 15% من الأصوات.

لقد أثبتت نتائج هذه الانتخابات فشل الادعاءات الأميركية التي تقول ان الثورة البرتقالية وضعت أوكرانيا على الطريق الصحيح، وأنها أتت بالديمقراطية والحرية للشعب الأوكراني، فأصبحت هذه الثورة البرتقالية بعد عامين من اندلاعها واستيلائها على الحكم أولى ضحايا هذه الديمقراطية في أول انتخابات نزيهة وديمقراطية تشهدها أوكرانيا في تاريخها، وذلك بشهادة واشنطن والاتحاد الأوروبي اللذان اعترفا بنزاهة الانتخابات.

لقد اعترف الرئيس يوشينكو بهزيمة حزبه واضطر رغم أنفه للموافقة على ترشيح خصمه اللدود حليف موسكو يانكوفيتش رئيسا للحكومة بعد عناء شديد ومعارك سياسية طاحنة داخل أروقة البرلمان الأوكراني الذي تقدمت أغلبيته باسم فيكتور يانكوفيتش كمرشح لرئاسة الحكومة، بينما حاول أنصار الثورة البرتقالية أن يدفعوا الرئيس يوشينكو ليستخدم سلطاته لحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة،

لكن يوشينكو خاف أن يصطدم بالشعب ويتهم بأنه عدو للديمقراطية، كما أنه كان على ثقة من أن حزبه لن يحصل في الإعادة على أكثر مما حصل بل على العكس سوف يحصل على أقل بكثير لأنه سيصبح متهماً بالعداء للديمقراطية التي أتت بخصمه من خلال انتخابات نزيهة شهد لها الجميع،

وتجمعت عشرات الآلاف من المتظاهرين من أنصار يانكوفيتش أمام مبني البرلمان مهددين برفض قرار الرئيس إذا قرر حل البرلمان، وتكرر المشهد الذي وقع منذ عامين وفي نفس المكان عندما تجمع أنصار الثورة البرتقالية يرفضون نتائج الانتخابات التي فاز فيها يانكوفيتش حليف موسكو ويطالبون بإعادتها، ولكن في هذه المرة لم يظهر أنصار الثورة البرتقالية،

ولم يكن في الساحة سوى أنصار يانكوفيتش والاشتراكيين والشيوعيين يطالبون بعدم حل البرلمان وقبول ترشيح يانكوفيتش لرئاسة الحكومة، ولم يجد الرئيس يوشينكو قائد الثورة البرتقالية مفرا من الإقرار بالهزيمة وقبول ترشيح خصمه اللدود يانكوفيتش حليف موسكو لرئاسة الوزارة.

لقد اختار يوشينكو أن يبقى في منصبه كرئيس مع حكومة يرأسها خصمه اللدود يانكوفيتش مضحيا بحلفائه من قادة الثورة البرتقالية وأنصارها، الأمر الذي دعا قادة الثورة البرتقالية إلى اتهام الرئيس بأنه باع مبادئ الثورة وأهدافها من أجل منصبه في الرئاسة.

الأسباب الأساسية التي دعت الشعب الأوكراني لرفض الثورة البرتقالية وديمقراطيتها المزعومة المستوردة هي السياسة العدائية لقادة هذه الثورة تجاه الجارة روسيا بناء على توجيهات واشنطن لهم، والشعب الأوكراني مرتبط بالشعب الروسي بروابط تاريخية وعقائدية( دينية)

واقتصادية وثقافية وأيضا أمنية واستراتيجية تجعل من الصعب وربما من المستحيل أن يعادي كل منهما الآخر، وقد كانا منذ بضعة قرون شعبا واحدا في ظل الحكم القيصري وجمعهما الاتحاد السوفييتي في دولة واحدة على مدى سبعة عقود.

لقد تأكد قائد الثورة البرتقالية الرئيس يوشينكو بعد عامين من الثورة أن واشنطن والغرب لن يقدم لبلاده وشعبه ما تقدمه روسيا، وكانت أزمة الغاز التي وقعت بين روسيا وأوكرانيا في مطلع العام الجاري دليلا على ذلك، وكانت موسكو قد قررت بيع الغاز الطبيعي لأوكرانيا بالسعر العالمي بعد أن كانت تعطيه لها بسعر رمزي أقل ست مرات من السعر العالمي،

وتعتمد أوكرانيا على الغاز الروسي بنسبة 80% كمصدر للوقود والطاقة، وهددت موسكو بقطع الغاز عن أوكرانيا إذا لم توافق على الأسعار الجديدة، الأمر الذي يهدد الشعب الأوكراني كله بالحرمان من الوقود الأساسي للتدفئة في الشتاء القارص البرودة كما يهدد المصانع الأوكرانية بالتوقف عن العمل،

ولم تجد أوكرانيا من واشنطن والغرب حلا لهذه المشكلة سوى المزيد من الضغوط عليها لتصعيد العداء والهجوم على روسيا، ولم ينقذها سوى موافقة موسكو على إمهالها بعض الوقت للتأقلم مع الأسعار الجديدة.

الواقع يقول ان الثورة البرتقالية لم تنجح في إقناع الشعب الأوكراني بقبول الديمقراطية والحرية الأميركية مقابل التضحية بالسوق الروسية الكبيرة التي يعمل فيها أكثر من ستة ملايين مواطن أوكراني وتستوعب وحدها نحو سبعين في المئة من المنتجات الزراعية والصناعية الأوكرانية،

ولا يتصور الشعب الأوكراني أن السوق الأميركية والأوروبية ستقبل منتجاتهم الرخيصة الأسعار لتنافس منتجاتهم الغالية، كما لم يرَ الشعب الأوكراني في انضمام بلاده لحلف شمال الأطلسي وللاتحاد الأوروبي فوائد تذكر مقابل ما سيؤدي إليه هذا الانضمام من مشاكل جمة مع الجارة الكبيرة روسيا التي لن تقبل بالقطع وجود قوات حلف الناتو على حدودها

تعيين يانكوفيتش رئيسا للحكومة يعني في الأساس للشعب الأوكراني تحسن العلاقات مع روسيا، ولا يعني بالضرورة أن تسوء علاقات أوكرانيا بواشنطن والغرب، وفي أول تصريحات له بعد توليه المنصب الجديد صرح يانكوفيتش للصحافيين قائلا إن مهمته الرئيسية هي جمع شمل الشعب الأوكراني الذي حاول البعض تقسيمه إلى قسمين شرقي تابع لروسيا وغربي تابع للغرب،

و أن حكومته ستحارب بشدة أية توجهات عدائية لروسيا لأنه على يقين من أن هذه التوجهات يرفضها الشعب الأوكراني، كما قال انه لا يعارض التوجه نحو الغرب ولا التنسيق مع حلف الناتو طالما ان هذا لن يضر من بعيد أو قريب بمصالح الجارة الكبرى روسيا،

لكنه أضاف انه على ثقة تامة بأن الشعب الأوكراني سيرفض في الاستفتاء الشعبي انضمام بلاده لحلف الناتو وأكد يانكوفيتش على ثقته في حل مشكلة الطاقة والغاز مع روسيا التي تكن للشعب الأوكراني كل ود وتقدير.

وعلى ما يبدو أن واشنطن أقرت بهزيمتها في أوكرانيا، وفضلت الصمت وعدم الإدلاء بأية تصريحات في محاولة منها للتعتيم على الهزيمة المشينة التي منيت بها الثورة البرتقالية في أوكرانيا والتي تعني في الأساس هزيمة الديمقراطية والحرية المستوردة من واشنطن.

جامعة سيبيريا