في تسعينات القرن المنصرم قامت مجموعة من البنوك المحلية بتشجيع الناس للاستثمار في شركة «بارمالات» الإيطالية التي كانت تعد من أكبر شركات العالم في مجال إنتاج المواد الغذائية والألبان، ولم تنقض عدة سنوات حتى انهارت الشركة وكادت تعلن إفلاسها،

وقد اتضح فيما بعد أن رئيس الشركة اختلس وحده مبالغ بحوالي 500 مليون يورو، وكانت النتيجة أن خسر آلاف الموظفين وظائفهم، وأصبحت آلاف الأسر الإيطالية تشكل عبئاً جديداً يهدد ميزانية الحكومة بعد أن ضاعت جميع مدخراتها في هذه الشركة.

وقبل «بارمالات» كانت أزمة شركة «إنرون» للطاقة في أميركا التي انهارت نتيجة تلاعب إدارة الشركة بحساباتها وأدت بالتالي إلى خسارة آلاف الأفراد لرواتب تقاعدهم ومدخراتهم المالية التي استثمروها في أسهم الشركة، ناهيك عن انهيار بعض الشركات التي كانت تتعامل مع هذه الشركة العملاقة.

ونتيجة لهذه الأزمات وغيرها قامت العديد من حكومات العالم بتوفير عدة برامج توعوية لنشر الثقافة المالية بين أفراد المجتمع، والتي تهدف إلى تقليل احتمالات إصابة الأفراد بمرض عضال اسمه «الفقر» ومحاولة في نفس الوقت أن تحقق توازناً اقتصادياً سينعكس إيجابياً على نمو الاقتصاد الوطني.

إن تطور الأسواق وظهور أنواع جديدة من الخدمات المالية المقدمة من البنوك أدى إلى صعوبة فهم الأفراد لمثل هذه الخدمات، فقديما كانت البنوك تقدم نوعين من الحسابات هي الجارية والتوفير، أما اليوم فهناك الصناديق الاستثمارية والودائع البنكية وصناديق الدخل والأسهم والسندات والصكوك

وغير ذلك من خدمات أصبحت تشكل في بعض حالاتها خطراً على الفرد الراغب في الاستثمار أكثر من كونها فرصة يستفيد من خلالها. وبالرغم من هذا التعقيد إلا أن معظم أفراد المجتمع يظنون أنهم على دراية كافية بفحوى هذه الخدمات أو الفرص الاستثمارية وكيفية الاستفادة منها،

فعلى سبيل المثال يعاني الكثير منا من بطاقات الائتمان التي لا تفارقنا دعاياتها وخصوصاً قبل مواسم السفر، لنتفاجأ بعد عودتنا من رحلاتنا بأن هناك ضريبة على استخدام البطاقة في الخارج بالإضافة إلى تحملنا لرسوم تحويل العملة عند استخدام البطاقة وغير ذلك من خدمات لم نحسب لها حساباً،

وعندما يتوجه أحدنا بسؤال البنك عن هذه الرسوم يكتشف بأنها مذكورة ولكن بخط صغير لا يكاد يرى بالعين المجردة وبلون باهت وفي أسفل صفحة الشروط والأحكام! وهو ما يذكرني بمقولة «شارلوك هولمز» لزميله الدكتور «واطسون» حين قال له : «مشكلتك يا واطسون أنك تنظر ولكنك لا ترى».

ولتجنب وقوع الأفراد في مثل هذه المواقف التي لا يحسدون عليها قامت بعض الحكومات ومؤسسات غير ربحية ببعض المبادرات كتلك التي قامت بها جمعية الموظفين في استراليا بالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة الاسترالية عام 2003 عندما أصدرت كتيبات وزعت على الموظفين في القطاعين الحكومي والخاص تعنى بتوعيتهم بأنواع الاستثمارات التي يمكنهم

وضع أموالهم فيها للحصول على راتب تقاعد في المستقبل أو لتمويل شراء منزل أو لتوفير مبالغ تكفي لإلحاق أبنائهم بركب التعليم العالي عندما يكبرون، حيث احتوت هذه الكتيبات التي نشرت على الإنترنت أيضاً على آليات الاستثمار في الأسهم والسندات،

وسلطت الضوء على المخاطر التي قد تعترض هذه الاستثمارات، وما هي أفضل الطرق لتجنب أو على الأقل تقليل الخسائر. ليس ذلك فقط، بل قامت جمعية حماية المستهلك بنشر كتيبات عن الأساليب الصحيحة للاستثمار وما هي حقوق المستثمر وكيف يمكنه أن يتجنب الوقوع في مخالفات قانونية.

كما قامت كل من الحكومة الإيطالية والحكومية الأسبانية بإطلاق مواقع على شبكة الإنترنت تعنى بنشر الوعي الاستثماري، حيث تحتوي هذه المواقع على أقسام مثل آخر أخبار التحذيرات من الاستثمار في بعض الشركات التي بدأ أداؤها المتعثر بإثارة الشكوك، وبعض النصائح في مجال إبرام العقود والاتفاقيات المالية والقانونية، وآخر الإصدارات والأخبار في مختلف المجالات الاستثمارية.

وفي الولايات المتحدة قامت الحكومة بتشجيع بعض الشركات الضخمة على عقد دورات تدريبية لموظفيها حول نوعية الاستثمارات الأقل خطراً وكيف يمكن الاستفادة من الخدمات المقدمة من قبل البنوك والشركات المالية بالصورة الصحيحة،

حتى أن شركة «يو بي إس» العاملة في قطاع الشحن ذهبت إلى مساعدة موظفيها على وضع «خطة استثمارية شخصية» لتضمن سلامة أموالهم وبالتالي صفاء أذهانهم. بالإضافة إلى ذلك قامت بعض المؤسسات الخيرية كمؤسسة «فورد» بعقد العديد من الدورات التدريبية لأفراد المجتمع لتوعيتهم بأنواع الفرص الاستثمارية وأين يمكنهم أن يضعوا مدخراتهم.

إن غالبية القوى العاملة في الحكومات التي تحدثنا عنها وغيرها هم من الذين سيصلون إلى سن التقاعد بعد خمس إلى عشر سنوات، لذلك فإن حكوماتهم شديدة الحرص على ألا يشكل هؤلاء أزمة مالية في المستقبل القريب وألا تضطر الحكومة لتحمل نفقاتهم إن هم عجزوا عنها.

ولكن إذا نظرنا إلى مجتمع الإمارات لوجدنا أن نسبة المواطنين الذين تقع أعمارهم بين سن الأربعين والخامسة والستين لا تتجاوز 4 ,12% حسب إحصائيات وزارة الاقتصاد، وعلى النقيض، ستحتاج 1 ,46% من القوى العاملة المواطنة إلى 25 سنة بأقل تقدير و45 سنة بأكثر تقدير لبلوغ سن التقاعد،

أي أن الفرصة ما زالت سانحة لوضع برامج توعية لتعزيز الثقافة المالية بين أفراد المجتمع ولتجنب ما حصل في أسواق الأسهم في الدولة وفي معظم الأسواق العربية والأهم من ذلك لتجنب ما قد يحصل في المستقبل.

أذكر قصة لأحد كبار المستثمرين في بورصة «وول ستريت» في عشرينات القرن الماضي حين سأله الإسكافي أثناء تنظيف حذائه عن أفضل الشركات التي يمكنه أن يضع أمواله فيها، فأخبره وانصرف إلى مكتبه ووجه تعليماته لمدير أعماله بسحب جميع أمواله من البورصة، وعندما سأله عن السبب قال له: «إذا كان هذا الإسكافي المعدم يستطيع أن يدخل البورصة فاعلم أنها ستنهار» وفعلاً تحققت نبوءته عام 1929 وانهارت بورصة وول ستريت.

إن ما حدث وما يزال يحدث من تذبذب حاد في أسواق الأسهم وغيرها هو نتيجة لنقص الفهم الاستثماري وتحول معظم المستثمرين إلى «إسكافيين»، ولكن هذا لا يعفي الحكومة من دورها في تقليل هذه الفجوة والسعي إلى جعل أفرادها أكثر وعياً وبالتالي أكثر استقلالية في المستقبل وذلك من خلال جعل الثقافة المالية احدى صفات المجتمع وصبغاته، وكما قال ابن خلدون: «إذا استحكمت الصبغة عَسُرَ نزعها».

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com