لا أحد يستطيع أن يفسر إصرار البعض على مواقفه بأن المواجهة التي جرت بين إسرائيل والمقاومة في لبنان انتهت بهزيمة مدوية للجانب اللبناني المقاوم ولمن يؤيد هذا الخط وهذا النهج. لا أعرف ما هي المعايير التي اعتمد عليها هذا البعض للوصول إلى استنتاجاتهم التي يجاهرون بها بلا خجل أو ذوق على الرغم من الاعترافات الإسرائيلية التي حسمت كل قول وكل تأويل،
وجاء هذا الاعتراف الإسرائيلي بالخسارة من رأس السلطة العسكرية أولاً باعتبارها الجهة المعنية ومن رأس السلطة السياسية باعتبارها أيضاً الجهة التي اتخذت القرار بهذه الحرب الوحشية التي شنت على بلد آمن، وعلى المدنيين وعلى الأطفال والنساء. كما لا ننسى أن هذا الاعتراف جاء على لسان أشهر المعلقين الصحافيين في الإعلام الصهيوني يؤكدون أن المقاومة اللبنانية حققت نصراً عسكرياً وسياسياً واضحاً لا لبس فيه.
من المؤكد أن المقاومة في لبنان تفاجأتـ بحجم الرد الإسرائيلي الوحشي الذي لا حدود له، إلا أن إسرائيل بدورها تفاجأت هي الأخرى بحجم الرد العسكري من المقاومة، كما تفاجأت إسرائيل بالتكتيك العسكري الذي اعتمدته المقاومة في مواجهتها على طول الجبهة وحتى اليوم الأخير، حيث بقيت صواريخ الكاتيوشا تتطال العمق الإسرائيلي في فلسطين المحتلة وبالكثافة المعهودة نفسها، وهذا ما اعترف به ناطق عسكري صهيوني الذي أكد أن قواته قصفت موقعاً أكثر من أربع
عشرة مرة في الجنوب وبعد أقل من خمس دقائق انطلقت من الموقع المقصوف نفسه (صلية) من صواريخ الكاتيوشا، إذن هذا يؤكد أن المواجهات العسكرية البرية منها كانت الفيصل حيث لم يستطع جنود النخبة بالجيش الإسرائيلي أن يحققوا أي تقدم يذكر على كل المواقع والجهات الممتدة من البحر في الناقورة إلى أعالي الجبال عند سفوح جبل الشيخ في كفرشوبا والعرقوب ومزارع شبعا.
المكان الوحيد الذي حققت فيه إسرائيل تقدماً هو سلاح الجو الذي دمرت فيه نصف الضاحية الجنوبية وهذا ما اعترف به أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي أكد أن إسرائيل تفوقت على المقاومة بسلاح الجو الذي كانت تعربد به بشكل واضح، ولا بطولة في هذا الأمر،
ومع ذلك ينبغي التأكيد أن هذا السلاح الذي كان يعتبره دان حالوتس رئيس الأركان هو الذي سيحسم به المعركة لم يستطع أن يحقق به أي انجاز سوى التدمير الوحشي للمدنيين والامنين وأن المقاومة استطاعت انزال الخسائر به في الجنوب واعطابه.
ولمن هبطت عليه شآبيب الرحمة وعصفت بقلبه عواصف المودة وأصابت عيونه الدموع الغزيرة ،بأن لبنان الذي دمرت فيه الآلة العسكرية الحربية حوالي 15 ألف وحدة سكنية أكدت التقارير أن أضرار إسرائيل بلغت 12 ألف وحدة سكنية، وإذا كانت الحرب قد تسببت بنزوح حوالي المليون لبناني من منازلهم
فإن أكثر من مليون إسرائيلي هم الآخرون نزلوا إلى الملاجئ لمدة شهر كامل وهذا يحصل لأول مرة منذ إنشاء إسرائيل في أربعينيات القرن الماضي، وكما تضررت السياحة في لبنان تضررت هي الأخرى في إسرائيل.
ولكن يا للعجب فإن هؤلاء المهزومين من داخل أنفسهم مصرون على جلد الذات بأن إسرائيل هي التي انتصرت وأن لبنان هو الذي انهزم لان إرادة الانتصار في دواخلهم ماتت ولأن إرادة المقاومة في أنفسهم أصبحت حالة مرضية لا يستطيعون الفكاك منها لا بصدمة ولا بحبة «برشيم»، انهم أسرى الأوهام والكوابيس المحبطة.
لا توجد حروب من دون ضحايا وشهداء ودمار ولا توجد انتصارات من دون تضحيات كبيرة، إنها ضريبة العزة والكرامة، ولو كانت الحروب بهذا المقياس، مقياس الخسائر فقط لما خاض ستالين معركته الفاصلة ضد قوات هتلر ولما خاض عبدالناصر معركة الفالوجة ولا ياسر عرفات معركة الكرامة بالأردن ولما كانت بالأصل حرب أكتوبر ولا يوسف العظمة في ميسلون وعز الدين القسام في القسطل.
إسرائيل التي صحت من المعركة يوليو مذهولة بالخسائر والأهم بخيبة أمل عسكرية في كل النواحي، وحتى الدبلوماسية يخرج علينا أولئك البكاؤون اللطامون المهزومون يبشروننا بأن المعركة كانت خاسرة، فيما العدو يعترف بأن المقاومة اللبنانية هي التي انتصرت. انه زمن الغرائب والعجائب حقاً!!
يريدون كسر شوكة المقاومة لانها ارتكبت نصرا حقيقيا ضد اسرائيل.