لو صحت الأنباء التي ترددت مؤخراً عن قرار هندي صادر بحظر محطات التلفزيون الفضائية العربية بمعنى منعها من بث رسائلها المتلفزة في الفضاء الهندي الواسع العريض ـ لو صحت هذه الأنباء لكان معناها أن ثمة تطوراً سلبياً وغير محمود استجد على العلاقات العربية ـ الهندية.
فما بالك وقد نسبوا أيضاً إلى وزارة الإعلام في نيودلهي تصريحاً يفسر القرار السلبي المذكور على أنه صدر «نتيجة العلاقات الوثيقة التي أصبحت تربط بين الهند وبين كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية (البيان عدد 10/8/2006)».
وربما يزيد من وطأة هذه التطورات المستجدة أنها أضيفت على الموقف الراهن في الشرق الأوسط فيما كانت طائرات النظام العنصري الاستعماري في إسرائيل تقذف لهيب حممها على مواقع سكانية مدنية وتثقف منشآت حيوية على امتداد رقعة الوطن العربي في لبنان
فضلاً عن عدوانها «التقليدي للأسف» على الأرض العربية في فلسطين سواء بفعل واقع الاحتلال أو بالقصف شبه اليومي لإقليم غزة، أو بالاختطاف ومن ثم الاعتقال للمسؤولين الحكوميين والفعاليات البرلمانية المنتخبة ديمقراطياً في فلسطين.
والمعنى هو أن الإجراء الهندي يكتسب بذلك بعداً غير ودي في ضوء واقع وعقابيل الأحداث.. إضافة إلى كونه بعداً غير ديمقراطي لأنه يجسد نوعاً من التعتيم الإعلامي والحجْر بإجراء رسمي وحكومي عامد وسافر على حرية تدفق المعلومات وهي حق أصيل - تدرك الهند الصديقة جيداً أنه يأتي في صدارة منظومة حقوق الإنسان.
ويزيد الأمر أسفاً عندما يتعامل المحلل السياسي العربي مع هذا الإجراء الهندي على ضوء المعطيات المعاصرة بل القريبة للعلاقات العربية الهندية - وخاصة على مدار السنوات الخمسين الماضية أو تزيد قليلاً ـ وبالتحديد منذ أن أولت الدول العربية تأييدها دولياً وإقليمياً لاستقلال الهند عن الاستعمار البريطاني في عام 1947..
وبعدها وربما قبلها أصبحت أسماء زعماء الهند الكبار.. ابتداء بالمهاتما غاندي وليس اختتاماً بجواهر لال نهرو ورفاقه من أمثال فيجايا لاكشمي أو كريشنا مينون ومن بعدهم رئيسة الوزراء أنديرا ـ كل هذه الأسماء كانت معروفة ومتداولة لا في الدوائر الرسمية في الوطن العربي وحسب ولكن أيضاً على المستوى الشعبي وبين صفوف جماهير البسطاء الغفيرة بين الخليج والمحيط.
لم يقتصر أمر الاهتمام بالهند ومسيرتها وتطورها السياسي وشخصيات وأفكار زعاماتها على قصائد الشعراء العرب تمجيداً لمبدأ المقاومة السلبية الذي رفعه ونفذه المهاتما غاندي وعلى تحيته شعراً ونثراً عندما كان يمر بأرض مصر عبر قناة السويس في طريقه للتفاوض مع المستعمر البريطاني في لندن،
ولا اقتصر الأمر على إعجاب كان متبادلاً بين الزعيم نهرو والسياسي المصري الكبير مصطفى النحاس.. بل أصبح نهرو زائراً دائماً لضاحية منشية البكري في شرقي القاهرة بعد أن ربطته صداقة راسخة وعلاقة فكرية ونضالية راقية مع الزعيم عبدالناصر منذ لقائهما الأول في أول مؤتمر لتضامن شعوب أفريقيا وآسيا في باندونغ ـ أندونيسيا عام 1954.
زادت أواصر التعاون الهندي ـ العربي عندما شارك الزعيمان نهرو وناصر مع الزعيم اليوغسلافي تيتو في تأسيس وإعلان وتفعيل سياسة ومجموعة عدم الانحياز التي ظلت على امتداد سنوات بين الخمسينات إلى التسعينات من القرن الماضي تمثل ضمير العالم وتشكل نبراساً لما وُصف يومها بأنه دول العالم.. الثالث..
النامي الذي كان يشق طريقه وسط غيوم الحرب الباردة المتكاثفة في تلك المرحلة كي يؤكد وجوده المستقل بين الكتلتين الرأسمالية الغربية والشيوعية إلى الشرق. وقد لا يذكر الكثير من محللي تلك الفترة التي كانت واعدة بآمال وتوقعات الشعوب أن هذه الوشائج التي ربطت بين الهند ومصر العربية لم تكن لتقتصر على تبادل المؤازرة السياسية أو على التأييد المعنوي..
لقد ارتقت وتعمقت الأواصر التي جمعت بين مصر ـ ناصر وهند ـ نهرو ثم هند ـ أنديرا في مضمار التعاون العلمي والتكنولوجي إلى حد أن شارك البلدان مع منتصف الستينات في مشروع أنجزا فيه بناء وتجريب طائرة نفاثة حملت يومها اسم «القاهرة» ولعله كان من أهداف عدوان وانكسار يونيو 1967 إجهاض مثل هذا المشروع التقني الناجح والطموح..
تماماً كما أدت مخططات الموساد الإسرائيلي مع أوائل الستينات إلى ملاحقة علماء ألمان كانت القاهرة قد استعانت بهم (أسوة بما سبق وفعلته أميركا ذاتها) فكان أن تلقوا رسائل متفجرة وتهديدات رهيبة اضطروا معها إلى الرحيل من القاهرة التي كانت بسبيل تطوير جيل جديد من الصواريخ.
لا يملك المحلل السياسي العربي سوى المقارنة بين الأمس واليوم.. لا يزال الوجدان العربي المعاصر يذكر ولا ينسى صولات وجولات الوزير الهندي كريشنا مينون وهو تلميذ غاندي ورفيق نهرو مدافعاً عن حق مصر في استرداد وتأميم قناة السويس بوجه الأطماع والتهديدات الاستعمارية الغربية، كانت وقفات مشهودة للسياسي الهندي الكبير في مؤتمر المنتفعين في لندن وأيضاً في جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في خريف وشتاء عام 1956.
لكن ها هي أيامنا الراهنة تأتي فإذا بإسرائيل تنمي علاقاتها مع الهند وإذا بأميركا وقد ربطتها مع الهند وزعاماتها وقياداتها بل وأجيالها الشابة من العلماء والتقنيين وشائج جديدة وحيوية وعميقة (راجع كتاب توماس فريدمان «الأرض مسطحة» ولا يزال على قائمة أكثر الكتب رواجاً في أميركا) ويتم هذا كله على حساب العرب.. قضاياهم ومصالحهم ومستقبل أجيالهم.. بل وربما أمنهم القومي أيضاً.
ولقد أحسنت «البيان» الغراء صنعاً حين أوردت أقوالاً على لسان محللين سياسيين وإعلاميين مفادها أن اللوم في هذه التطورات السلبية التي أصابت العلاقات الهندية ـ العربية ـ إنما تعود مسؤوليتها إلى الطرف العربي بالدرجة الأولى.
نعم. لقد استنام العرب إلى صداقة ربطتهم يوماً مع الهند لم يطوروا هذه الصداقة ولا عملوا على تعميقها.. لم يتأملوا ولا تدبروا ولا وقر في وعيهم البديهية التي تقول إن في السياسة ـ ناهيك بالعلاقات الدولية - لا توجد صداقات دائمة ولا طبعاً عداوات دائمة بل هي مساعٍ دائمة لتحقيق المصالح التي لابد وأن تعود بفوائدها على جانبي أي علاقة تصل بين طرف وآخر على خارطة العالم الذي نعيش فيه.
ولا نبرئ أنفسنا كطرف عربي، بل علينا من منطلق الصدق مع النفس أن نطرح على هذه «النفس» وليس غيرها أسئلة أمينة مهما كانت صعبة أو حتى موجعة من قبيل:
ماذا كان يمكن أن نقدمه إلى الهند ـ صديقة الأمس ـ شريكة الجوار الجغرافي والطموح الإنمائي؟
إسرائيل مارست مع الهند لعبة الشراكة الالكترونية وبالتحديد لعبة التعاون في مجال تطوير البرمجيات الحاسوبية (سوفت وير).
أميركا مارست مع الهند، ومازالت، لعبة مزدوجة.. اسمها في مجال السياسة ضرب الهند بالصين والعزف على أوتار المنافسة الإقليمية والتاريخية بين نيودلهي وبكين والإفادة لصالح واشنطن بالطبع من الصراعات المحتدمة، ظاهرة وباطنة بين الدولتين الكبيرتين في إقليم الشرق الآسيوي.
أميركا أيضاً توصلت إلى ما أصبح يسمى في دنيا الاقتصاد السياسي باسم «الاستعانة بالمصادر الخارجية» (Out Sourcing) ومعناها ـ كما يوضح فريدمان في كتابه السالف الذكر ـ أن تستعين المؤسسات الاقتصادية العملاقة والشركات الأميركية عبر الوطنية بالكفاءات والكوادر الهندية لإنجاز معظم أنشطة تلك المؤسسات والشركات..
تنجزها وهي مقيمة على أرض الهند مستخدمة في ذلك أحدث تكنولوجيا الحواسيب الالكترونية أو الاتصالات الساتلية (بالأقمار الاصطناعية) والكوادر الهندية تجمع بالطبع بين كفاءة الأداء وبين ضآلة الأجور بالنسبة إلى أجر العامل أو الموظف ـ الكادر الأميركي.
وقد نحضّ المعنيين بهذا الأمر على أن يبادروا إلى قراءات شتى في هذا المضمار.. في مقدمتها مثلاً الدراسات التي شكلت محوراً لملف الصعود الآسيوي الذي نشرته مجلة «ذي كرنت هستوري» الأميركية (عدد ابريل 2006) وفي مقدمته الدراسة المكثفة والطريفة التي كتبها كلايد برستوفتش رئيس معهد الاستراتيجية الاقتصادية عن «شنديا» كناية عن آفاق دور مشترك ومتوقع بين الصين والهند في تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.
وعلى المعنيين أيضاً أن يراجعوا الدراسات التي حفل بها أحدث أعداد مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز عدد أغسطس 2006) الذي لم يكن مصادفة أن تصدرت غلافه الخارجي عبارة لها دلالتها الذاتية وهي «صعود الهند» وضمت دراسات الملف المتعلق بهذا العنوان بحثاً عن انطلاقة اقتصاد الهند وعن استراتيجية الهند في زمن العولمة.. مع طرح السؤال الأهم.. عن الهند: هل تكون شريكاً جديداً لأميركا وإسرائيل؟
كاتب مصري