شهدنا الأسبوع الماضي لحظات حرجة إثر شيوع نبأ احتجاز المواطن الإماراتي سيف الشعالي في أحد مطارات الولايات المتحدة وتعرضه للتحقيق بشكل غير لائق، وتعرضه كذلك للتفتيش والاحتجاز في زنزانة، بسبب شكوك وشبهات لا تستند إلى أي دليل.
ولم تهدأ الأعصاب وتُلتَقَط الأنفاس إلا بعد أن تم الإفراج عنه ـ بعد احتجاز وتحقيق تجاوزت عدد ساعاته عدد ساعات اليوم الواحد- ووصوله إلى البلاد سالماً يوم الجمعة الماضي، بعد أن خُيّر بين استمرار الاحتجاز والتحقيق لمدة أسبوعين أو العودة من حيث أتى، فاختار العودة عزيزاً مكرماً إلى بلده مخلّفاً وراءه حلمه في الحصول على درجة الدكتوراه التي لا يفصله عنها إلا ثلاثة فصول دراسية فقط.
والمواطن الشعالي هو أحد طلبة الإمارات في الولايات المتحدة، وهو رب أسرة تقيم معه في ديار غربته، وتتكون من زوجة وثلاثة أطفال. وقد عانى هو وأفراد أسرته الكثير من العذاب خلال هذه الرحلة الأليمة التي تعرض فيها هو وأسرته لعذاب نفسي دون ذنب اقترفه أيّ منهم، ودون أن يعرف أحد ـ حتى هذه اللحظة ـ السبب من كل الذي حدث له في مطار لوس أنجلوس.
وإذا كنا نحمد الله على سلامة وصوله وعائلته إلى أرض الوطن، بفضل الله أولا، ثم بفضل الجهود الحثيثة التي بذلها المسؤولون على أرفع المستويات في الدولة وفي سفارة الدولة في الولايات المتحدة لمساعدة الشعالي على الخروج من الأزمة التي وجد نفسه فيها فجأة.
وإعادته إلى أرض الوطن في أقصر وقت أمكنهم فعل ذلك فيه، إلا أن الموضوع يجب ألا ينتهي بانتهاء الاحتجاز والتحقيق، بل يجب أن يبدأ الموضوع الآن، وأن تفتح هذه الأزمة -التي انتهت على ما نحب ونتمنى ـ عيوننا وعقولنا على ما لم نكن نبصره قبل أن يتعرض أحد مواطنينا لذلك الموقف الصعب.
يجب علينا ألا نغلق ملف هذه الحادثة بمجرد أن أغلق الطرف الآخر ملف المواطن الإماراتي سيف الشعالي، لأن ملفات أخرى لأسماء أخرى ستُفتح في الطرف الآخر، ومن غير المستبعَد أن يكون من ضمنها أسماء بعض طلبتنا هناك، فالشعالي طالب واحد من بين عدد كبير جدا من طلبتنا في تلك الديار التي أصبحت لا تميز في إجراءاتها التعسفية بين شخص وآخر.
ويكفي عندها أن يكون الشخص الموجود على أرضها عربيا ومسلما ليصبح مشبوها وموضع شك، وبكلمة واحدة ليصبح «إرهابياً». لكن هذه الأزمة ـ على صعوبتها ومرارتها ـ فتحت أعيننا على جوانب كنا غافلين عنها أو مخدوعين بها، والآن أصبحت واضحة لكل ذي بصر وبصيرة.
لقد كشفت هذه الأزمة أننا نعيش حالة عدم تواصل وتفاهم كليين مع الآخر، وهذه حقيقة تتمثل لنا عيانا يوما بعد يوم، إلا أننا لم نكن نستوعبها، أو ربما لا نريد أن نستوعبها.
وقد جاءت هذه الأزمة مفاجئة ومؤلمة جدا، لنتمكن من استيعاب تلك الحقيقة بعد أن رأينا أن أجهزة الأمن الأميركية لا تستثني أحدًا حتى من خطئها، ويتساوى أمامها الجميع، حتى أبناء الشعوب التي عُرف عنها المسالمة وحب الآخرين وعدم التطرف، كأبناء الشعب الإماراتي.
الأمر الآخر الذي يجب التوقف عنده هو ضرورة النظر إلى المستقبل ـ من خلال هذه الأزمة ـ بمنظور واسع وعميق في آن واحد. إن الخطأ الذي تعرض له الطالب الإماراتي كلفه مستقبله، فقد خسر حلمه بالحصول على درجة الدكتوراه حين قارب المشوار على الانتهاء، وحين أوشكت سفينة أحلامه الوصول إلى مينائها، وإلى الآن لا يمكن أن يتوقع أحد ما الذي سيفعله طالب ترك دراسته بعد أن خُيِّر.
في ظروف شديدة القسوة، بين ترك دراسته والعودة إلى وطنه أو (احتمالية) إكمال الدراسة ولكن بعد الخضوع لتحقيق قد يستمر أسبوعين من الزمن! هذه حالة واحدة، ولكنها مهمة ولا يستطيع أي شخص أن ينكر أهميتها، لأن سنوات العمر التي قضاها دارسا مغتربا لا يمكن تعويضها، والمصاريف التي أنفقتها الدولة على دراسته أيضًا ليست قليلة.
والقلق الذي عاشته أسرة هذا المواطن وأسرة زوجته وجميع من يمتلك حسّ الوطنية لمدة تسع وعشرين ساعة لا يمكن أن يُستهان به. وإذا افترضنا أن حلاّ يمكن أن يظهر لينهي هذه المشكلة الخاصة بطالب واحد، فعلينا أن نفترض أيضًا إمكانية تجدد الأزمة ذاتها مع طلاب آخرين؟
علينا أن نفكر في حال جميع طلابنا في الولايات المتحدة؛ فإذا كانت هذه الأزمة قد انتهت كما نحب ونريد فإن أحدا لا يستطيع أن يقدم ضمانات لما يمكن أن يتعرض له أي طالب من طلبتنا هناك في المستقبل. والمشكلة لا تطال الطلاب من الذكور فقط، بل قد تطال الطالبات الإناث؛ فإذا كانت زوجة الشعالي قد تعرضت للتحقيق وهي بصحبة زوجها.
فماذا يمكن أن يحدث لو أن الشبهات والشكوك حامت حول إحدى الطالبات التي اعتادت السفر بمفردها إلى الولايات المتحدة بعد أن اطمأنت إلى الأمان المزعوم الذي تسعى الولايات المتحدة إلى نشره على الكرة الأرضية وهي آخر من يطبق مبادئه على أراضيها.
ولعل أكثر ما يثير النفس في هذه الأزمة، ويجعل الدم يغلي في العروق، هو أن كل ما حدث للشعالي قائم على شبهات وشكوك، أي دون وجود أية أدلة أو إثباتات، ودون أن يُدان بأية تهمة.
وهذا يثير علامات تساؤل وتعجب كبيرة، إذ كيف يتم احتجاز طالب يقيم في الولايات المتحدة منذ خمس سنوات، وله ثلاثة أطفال ولدوا في الولايات المتحدة، بما يعني وجود سجلات كافية له ولعائلته في أجهزتهم الأمنية، دون وجود أي تهمة حقيقية موجهة له؟ إن هذا ليدلّ على عدم دقة أجهزة الأمن عندهم، أو على عدم مبالاتهم -وربما استهانتهم- بالآخرين، وبكرامتهم، وبراحتهم، وبمستقبلهم..إلخ
إن هذه الأزمة لا بد أن تغير ـ أو على الأقل تؤثر في ـ الصورة المشرقة التي ينخدع بها الكثيرون عن احترام الإنسان في الولايات المتحدة، وقد كان من بين ما قاله سيف الشعالي لدى عودته إلى الوطن: من الجميل أن أكون في وطني، وأن أعامَل كإنسان مرة أخرى، في إشارة غير مباشرة إلى طبيعة المعاملة التي عومل بها أثناء احتجازه في مطار لوس أنجلوس.
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com