طغيان الأبعاد العسكرية وغلبتها على مشاهد الحملة الهادفة لاستئصال حزب الله، لا ينبغي ان يصرفنا عن الانتباه للأدوات والتكتيكات الأخرى التي تستعين بها إسرائيل على تحقيق هدفها. في الوصف التفصيلي لمجريات الحملة ما يوحي بوجود مخطط إسرائيلي متكامل، سياسياً وإعلامياً ودعائياً ونفسياً، يتعلق بتعزيز محاولة عزل هذا الحزب والانفراد به في الميدان.
نتصور اجتهاداً، أن الاستراتيجيين الإسرائيليين أخضعوا حزب الله، المبنى والمضمون، لمباضعهم المعلوماتية والبحثية، مانحين عناية فائضة لنقاط القوة والضعف في صلاته وعلاقاته بالبيئات المحيطة به، وطنياً وقومياً ودولياً.. وأنهم تأسيساً على هذه المقاربة المعرفية يعمدون منذ بداية الحملة إلى نكئ نقاط الضعف وتجذيرها في خطابهم حول شؤون الحزب وشجونه.
وهم في ذلك يأخذون بواحد من تقاليد المستعمرين حين يطمعون في تصفية حركات التحرر والمقاومة، وهو محاولة تجفيف البحر الذي يمد هذه الحركات بطاقة الحياة والحركة والانتشار والثقة وصولاً إلى الانتصار.
وعلية، ليس من باب الصدفة والعشوائية أن تعزف نخبة الحرب الإسرائيلية، بتناغم بين أجنحتها العسكرية والمدنية الظهيرة، على الأوتار المثيرة لإحن قديمة أو الموقظة لفتن نائمة أو الباعثة لتساؤلات تشكيلية جدالية، حول أجندات حزب الله الظاهرة والمضمرة.. ومن الأمثلة التي ترد على الخاطر بهذا الخصوص..
أولاً، الإشارات المتكررة حتى الملل للبعد الطائفي الشيعي للحزب، وكيف ان هذا المكون ينفي زعم قيادته إخلاصها لأهداف وطنية عابرة لكل طوائف الدولة اللبنانية. وينحو الخطاب الإسرائيلي في هذا المقام إلى استخدام هذه الإشارات لإخافة الطوائف الأخرى وتفزيعها من قوة هذا الحزب «الشيعي» القياسية مقارنة بهم، مع التركيز على امتلاكه الاستثنائي للأسلحة الثقيلة التي ولا بد وأنه سيستخدمها ذات حين في فرض هيمنته عليهم. هذا إن لم يكن قد بلغ هذه المرحلة بالفعل.
ويمضي هذا الخطاب إلى أبعد من ذلك حين يعمد لتحريض الدولة ذاتها ضد الحزب، بدعوى اختطافه لسلطاتها وكثير من صلاحياتها وعدم استشارتها أو التنسيق معها في تحركاته ومغامراته الداخلية والخارجية، بما في ذلك القيام بعمليات مسلحة ضد سيادة دولة مجاورة ( إسرائيل ) تستدرج انتقامها المضاد ضد الدولة اللبنانية بقضها وقضيضها، بصفتها المسؤولة أمام المجتمع الدولي عن تصرفات قواها ومواطنيها.
ولا يفسر هذا الضغط على العصب الطائفي لحزب الله في بيئته الداخلية، إلا بالرغبة الإسرائيلية المحمومة في قطع أواصر التراحم بين الحزب وبين شركائه في الوطن والمواطنة.. وعندئذ يسهل الإجهاز عليه بعد تحوله، لو فعل هذا التكتيك فعله، إلى طائر مغرد بعيداً عن السرب والإجماع الوطنيين ، منبوذاً منهما.
ثم إن إبراز طائفية الحزب واستفزاز المخاوف الطائفية تجاهه تظهر الحرب الشرسة عليه وكأنها خدمة مجانية تؤديها إسرائيل للطوائف الأخرى، بحسبها سوف تكسر شوكته وتذهب بريحه!
ثانياً، تلوك إسرائيل الخطاب ذاته بشأن طائفية حزب الله على الصعيد الإقليمي. وذلك بالتشديد على تبعيته المطلقة للنظام الإيراني، الشيعي في التحليل الأخير.. هذا النظام الذي يتزعم قوساً «شيعياً» تحت شعارات إسلامية فضفاضة في صلب المشرق العربي!
وهى تستثير البنية التاريخية للخلاف المذهبي بين السنة والشيعة باعتباره أكثر جذرية وأولوية من المواجهة العربية الإسلامية - الصهيونية اليهودية في فلسطين وجوارها.
ومن المدهش حتى الصدمة ان يجد خطابها هذا متكأً في بعض الفتاوى ذات الصلة التي صدرت عن مراجع عربية. وعلى الرغم من عدم قابلية هذه الفتاوى للصدقية والتعجيل بدحضها عربياً وإسلامياً، الا ان إسرائيل لا تمل عرض الحزب بصفته حاملاً لأجندة غير عربية وخشبة قفز للهيمنة «الشيعية الفارسية» على النظام العربي!
ثالثاً، إظهار حزب الله ليس فقط كقوة شاردة عن حيز الشرعيتين اللبنانية والإقليمية العربية ولكنه منفلت وغير مسؤول بالمرة إزاء التعامل مع القوانين والشرعية الدولية. فهو يخرق الخط الأزرق ، الحد الفاصل بين دولتي لبنان وإسرائيل، ويتعدى على دولة ذات سيادة ويخطف مواطنيها (لاحظ ليس جنودها المحتلين لشبعا وكفر شوبا مثلاً) ويضرب المدنيين الإسرائيليين بالصواريخ..
وذلك كله بالتعارض مع إرادة الدولة اللبنانية. ومن شأن التسامح الدولي معه تعريض السلم والأمن في «الشرق الأوسط» للخطر!
هذا باقتضاب غيض من فيض الدأب الإسرائيلي على عزل حزب الله ونبذة على الصعد الوطنية والإقليمية والدولية، نذكره من باب التوعية والمدارسة وبيان حجم التنسيق الذي تضطلع به المؤسسات الإسرائيلية المدنية مع المبادرة العسكرية الإجرامية، في سبيل خنق قوة طليعية شديدة البأس ضد المشروع الصهيوني فلسطينياً وعربياً وشرق أوسطياً.
ولعله من سوء طالع هذه الهجمة والقائمين عليها انها تعاني من عيوب جوهرية أوردتها خلال أيام الحرب على حزب الله بالذات موارد الخيبة والسخرية. يدرك ذلك كل من يطالع المردودات المعاكسة لأهدافها وبخاصة لجهة امتداد شعبية الحزب لبنانياً وعربياً، وتزايد القلوب التي تهفو إلية وتدعو بنصرته.
من الواضح والحال كذلك ان سواد اللبنانيين والعرب والمسلمين أكثر فطنة وذكاء مما تحسب دوائر التخطيط الإسرائيلية. وإنهم على وعي كامل بترتيب أولويات قضاياهم وشواغلهم، وليسوا بحاجة البتة للنصائح المسمومة التي تبثها هذه الدوائر ومن يحازبونها ويقعون في حبائلها.
كاتب وأكاديمي فلسطيني