ما أحوج العرب اليوم إلى خطاب الجمع بعد ان انتهت معركة لبنان بهزيمة إسرائيل ونصر مستحق للبنانيين والعرب، انتصار أعاد للعرب القدرة على التفاوض ورفع سقف المطالب من مستوى صفر إلى مستويات عليا مؤهلة لأن تصل إلى حد الأمر، إذا ما نجح القادة العرب على انتصار حزب الله وجعله أرضية لانتصارات أخرى على المشاريع الأميركية والصهيونية المتعلقة بالشرق الأوسط الجديد.

العرب مطالبون اليوم باستثمار الوضع الحالي لصالحهم لخلق قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب بمحاولة تجاوز الخلافات ورأب الصدع لفرض المشروع العربي الكبير الهادف إلى تحرير الأراضي الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الأميركي على العراق.

فالمعلوم ان المنطقة العربية كانت كلها مهددة بالزوال في عالم الشرق الأوسط الجديد، ونحن نشهد اليوم قبل الغد، كيف تكتل الغرب جميعا لمساندة إسرائيل، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكيف تتحدث وسائل الإعلام الغربية عن أمن إسرائيل، الدولة النووية، وكيف يتم تهديد هذا الأمن من طرف تنظيمات يُجمعون على وصفها بالإرهاب والتطرف، لتخلص في الأخير إلى تسويغ العدوان الصهيوني الهمجي على العزّل من المدنيين، أطفالا ونساء وشيوخا.

ولابد أن الحكام العرب قد رصدوا بأنفسهم كيف توحدت إسرائيل بأحزابها كلها رغم وجود خلافات في الفكر والمعتقدات.. وكيف أوقف الإسرائيليون صراعاتهم السياسية وأخفوا انقساماتهم لكي يتخذوا موقفا واحدا وراء جيشهم.. رغم أن مهمة هذا الجيش هي تدمير كل أسباب الحياة للشعبين اللبناني والفلسطيني.

ولا أدرى إذا كان بعض الحكام العرب يعرفون، أو يتجاهلون أنهم يعرفون، أن الخطة الأميركية الإسرائيلية الآن هي جعل الشعوب العربية غير المرغوب فيها.. أميركيا بلا مقومات حياة، وبلا قاعدة للتقدم والتطور، حتى تصبح تلقائيا خاضعة للفتات الذي تقدمه لها الدول المانحة، وحتى لا تحلم بأنها قادرة على تعطيل أو إفساد المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي للمنطقة.

وفى نفس الوقت، فإن الهدف هو إسقاط مبدأ التفاوض بحيث تصبح النافذة الوحيدة المفتوحة أمام العرب هي القبول لما تسمح به إسرائيل فقط، والإذعان لما تعرضه عليهم. والآن بعد ان تغيرت المعطيات ومالت الكفة تدريجيا إلى العرب يقف العالم لينظر إلى الحرب على لبنان، ويكتشف المغيبون في العالم الأول أن حكامهم على مر السنين قد غافلوهم وأن تاريخهم وثقافتهم عن العرب والمسلمين كانت على غير الحقيقة..

وأن معرفتهم بالعالم العربي كانت مغلوطة لأسباب (ميكيافيلية) و(هرتزيلية) هدفها السطو على العالم العربي، بل ان العالم بأجمعه قد بدا يكتشف القوة التي كان يخفيها العرب وقدرتهم على مواجهة أي مشروع امبريالي بكل شجاعة واندفاع.

وقفت الدولة الصهيونية لأول مرة في تاريخها لتنفذ (قرارات مجلس الأمن) لأنها لو لم تنفذه فستنتهي الدولة الصهيونية إلى غير رجعة.. بالطبع فقرارات مجلس الأمن لا تسرى إلا على العرب، وهذا اليوم قرار مجلس الأمن1701 يسري على إسرائيل نتيجة جهلها للقوة العربية التي كانت مدفونة نتيجة الخلافات الداخلية.

حقيقة أخرى أفرزتها نتيجة الحرب على لبنان، فللحرب كذلك فضائلها، عودة الوعي للأمة وخاصة الوعي بإمكانية تجميع المواقف والإرادات في إرادة سياسية موحدة وهو ما نجح به لبنان في ساعة العسرة والخطر النازل من تماسك ووحدة وطنية خالصة. والذي سيمكنها -دولا وشعوبا- من مهادنة أميركا وإسرائيل لتحقيق المصلحة العربية.

خاصة وان التحالف الأميركي الإسرائيلي سيتآكل منذ اليوم مع تنامي الاعتقاد داخل أميركا بعدم التعويل على إسرائيل بانجاز المهام ذات الطبيعة المماثلة في الشرق الأوسط فهي بالداخل لم تنجح بإنهاء الانتفاضة، ولم تفلح بالحيلولة دون وصول حماس للامساك بزمام السلطة، وهي بالخارج فشلت بتحطيم قدرات حزب الله بل منحته بسوء إدارتها للحرب وللدبلوماسية قوة إضافية وحظوة عربية إسلامية بفشلها الذريع في ميادين القتال.

وبموجب هذه المعطيات، فقد حان الوقت لان يستجمع العرب قواهم المشتتة بخلق قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب تجبر أميركا على إعادة حساباتها الخاطئة بخصوص مشروع الشرق الأوسط الجديد فقد انتهى عهد الركوع والرضوخ وحل محله عهد العزة والكرامة الذي سيسهم بالمفاوضات أو السلاح في تحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال الأميركي للعراق.

benhadnal@yahoo. fr