برغم أن حديث النصر والهزيمة يبدو متعجلا جدا، حيث المسألة نسبية في مستوياتها ما بين سياسي وعسكري، وفى منظوراتها ما بين طائفي ووطني وقومي، ومن ثم يستطيع كل طرف من زاويته أن يرى غير الآخر، فالأمر المؤكد هو أن حزب الله قد نال من هيبة إسرائيل العسكرية ما يجعله الأقرب إلى معنى النصر العسكري على الأرض، كما أن القرار الدولي 1701 جاء نصا معبرا عن انتصار إسرائيلي دبلوماسي في أروقة مجلس الأمن وكشفا لحدود التوازن السياسي بين العرب وأميركا.

وبينما لا يشك أحد في أن القصور العسكري الإسرائيلي سوف يكون محل دراسة من خبرائها وجنرالاتها ومراكز البحث والتفكير لديها وفى الولايات المتحدة الأميركية أيضا، فإن أحدا لا يستطيع الجزم بأن قصور أو ضعف الأداء الدبلوماسي العربي في مجلس الأمن أو حتى إنجاز حزب الله العسكري وبسالته على الأرض سوف يكونان محل تأمل أو دراسة متأنية وفاحصة بعيدا عن حروب الميكروفونات وسجالات الشاشات الفضية لمعالجة القصور السياسي أو تعظيم المردود العسكري.

فالمشكلة الكبرى تكمن في أن النظام العربي في أوضاعه الراكدة لا يستطيع أن يستوعب سوى أكثر الدلالات هامشية، وأكثر المعاني ضيقاً، وأقلها طموحاً. فهو مهيأ إلى استبطان وفرز معنى الهزيمة السياسية في مجلس الأمن ضد الولايات المتحدة بأكثر مما هو قادر على استيعاب معنى الانكسار العسكري الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.

ويرجع ذلك بالأساس إلى تفتت المحور الإستراتيجي الثلاثي «المصري السوري السعودي» الذي صاغ حس الاتجاه العربي في العقود الثلاثة الماضية من والى بروز توازن خطر وهش على أنقاضه بين محورين أساسيين في السياسة العربية المعاصرة وهما محور الاعتدال التقليدي من مصر والسعودية بالأساس وما حولهما، ومحور التشدد من سوريا وحزب الله وحركة حماس وهو المحور المدعوم إيرانيا.

لقد بدأت عملية التفتت هذه منذ صعود حماس إلى موقع الحكم وحصارها من قبل إسرائيل وأميركا والغرب، ولكنه ظل تحت السطح حتى العدوان على لبنان الذي أظهر حدوده وأعماقه منذ بداية الحرب وحتى نهايتها، قبل أن يستفحل مع مراجعات كلا الطرفين لمواقفهما، وطرح قراءتهما لما حدث، ولما يجب أن يحدث بعد ذلك الذي الحدث، فالمتشددون يقولون بالانتصار العسكري ويريدون أن يدفعوا به إلى الأمام لأجل جني الثمار ما يفتح الباب إلى مواجهة أوسع.

وهو ما تبدى في خطاب حزب الله على نحو مفهوم وربما مستحق، وفي خطاب الرئيس السوري على نحو متعجل ومتزيد وعدواني بقدر غير مبرر إزاء شركاء الأمس واليوم والغد. وفى خطاب إيران على نحو مراوغ يرسل ويستقبل إشارات حول حدود وممكنات صراعها النووي مع الغرب وإن كان مفهوما. وأما المعتدلون فيرون في الحدث خسارة متبادلة.

ويستحضرون الدمار الذي حاق بلبنان وببنيته التحتية للإيحاء بأن ما حدث كان يمكن تفاديه بسلوك عقلاني وأظنه فهم خاطئ وقصير النظر، أو بأن كل ما حدث لن يخلق الحل إلا بحزمة من السلوكيات العقلانية التي تستثمر ما حدث وتبنى عليه وهو الفهم الصائب تماما والواجب تحويله إلى برنامج عمل النظام العربي، أو مجال «توافق» بين المحورين المتناقضين حتى لا يصيران إلى التصادم عندما يبالغ المتشددون في تشددهم، ويصرون على اندفاعهم الخطابي، ويصير المعتدلون أكثر محافظة، وترددا في التحرك إلى الأمام.

ولعل الأمر الأكثر إلحاحا الآن هو ضرورة التقاء الطرفين على فهم أساسي ذي وجهين لا يجب أن يغيب عن كليهما؛ الوجه الأول هو أن المحور المتشدد لن يستطيع وحده ان يجسم المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل باتجاه نصر نهائي يحق الاستقرار وينجز سلام نهائي، وإن كان قادرا على إشعال المواجهات المسلحة وتكريس حالة عدم الاستقرار، فالصراعات على الأرض مهما طالت لا تثمر إلا على موائد التفاوض وفي أروقة السياسة إلا إذا كان هناك نصر حاسم يفرض على الخصم التسليم والإذعان وهو غير وارد هنا.

والوجه الثاني هو أن محور الاعتدال العربي مطالب بالخروج من حالة الانكفاء نحو أفق السياسة الرحيب والأكثر انفتاحاً وفاعلية، فالسياسات المهادنة والتي ثبت فشلها في الماضي، والتي كرست المأزق الراهن عملياً، سوف تصبح أكثر فشلاً في المستقبل، وإذا كان هذا المحور قد خسر سوريا في هذا العام «بعد حصار غزة والحرب على لبنان» فإنه سوف يخسر المزيد من الشرعية السياسية إذا ما أستمر على نهجه الخانع في مواجهة شعوبه.

ومن ثم سوف يزداد عجزه في التعامل الإقليمي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، فالسلام لا تنجزه مجرد الرغبة فيه والقسم اليومي بكل المقدسات انه «خيار استراتيجي وحيد»، بل التطلع الجاد إليه بتوفير مقتضياته من مناورات وضغوطات وتهديدات وإغراءات وصفقات والإيحاء بأن ثمة مسالك ممكنة بديلة لفرضه، فمن لا يملك سوى خيار واحد سوف يحرم منه بالضرورة لأن الخصم يبادل على مائدة التفاوض، ولا يمنح على موائد الرحمن.

وهنا يصبح على المحورين أن يتلاقيا على إيقاع مشترك أقل اندفاعا مما يريد محور التشدد وأكثر سرعة مما يريد محور الاعتدال على نحو يضمن اتساق الحركة العربية وزيادة فعاليتها وقدرتها على انجاز هدفها لأن الأهداف المعقولة أقرب إلى التحقيق الإجمالي وخصوصاً إذا ما اتسعت قاعدة المطالبة بها.

كما يحول دون شطط معسكر التشدد في قراءة الواقع وجموحه إلى التحليق بعيداً ما يقضي باختطاف السياسة العربية وإهدار قدراتها المحدودة أصلاً. ومن جانب ثالث يقف حائلاً دون اختطاف الكتلة العربية كلها من جانب قوى الإرهاب العدمي التي يسطع دورها في تلك المناخات المحبطة والراكدة، فحينما تفشل السياسة عن ممارسة التفاوض حول الأهداف، ولا تسعفنا الحرب بانجاز الأهداف، ينفتح الطريق إلى الإرهاب الذي يزايد على الجميع.

كاتب مصري