هل نستطيع القول إن العالم كله أصبح مختصراً منذ فترة زمنية قصيرة في مسرحية طهران ـ بيروت ـ واشنطن؟

فكل واحدة من هذه العواصم تمثل شكلاً من أشكال سياسة العالم المعاصر. أو بالأحرى ما يجب أن يكون عليه العالم وفق الرؤية التي يراد لها أن تكون جديدة.

فما حصل في لبنان سواء أكان مخططاً له مسبقاً أم لا، فهو يمثل على أية حال الشكل الذي ستصبح عليه أية دولة في العالم ودون سابق إنذار ولا مباحثات أو مناقشات مسبقة ولا شكوى لمجلس الأمن الذي لن يتدخل إلا بعد أن تكون الأمور قد سويت تماماً من قبل المتحاربين.

فأية دولة تقف في وجه الدول العظمى (وهي اليوم حسب علمنا دولة واحدة فقط) ستجد نفسها بين ليلة وضحاها تعود عشرين عاماً إلى الوراء ولن تستطيع ربما القيام من بعدها مرة أخرى. وأن على العالم أن يفهم جيداً كيف يحترم ما تسعى لتحقيقه تلك الدول بما يحقق لها مصالحها أياً كان شكلها.

أما طهران فتمثل ما يمكن أن ينتظر مستقبلاً أية دولة تحاول أن تسير ضد التيار الجديد، وهو تيار يزداد سعة وسرعة يوماً بعد يوم وسحب معه دولاً كبيرة كفرنسا وبريطانيا وألمانيا التي كانت تعتقد في يوم من الأيام أن الولايات المتحدة الأميركية قد احتفظت لها بأدوار هامة في مسرحية العالم الحديث. إلى أن اكتشفت في مسرحية العراق ولبنان بأنه يتم التعامل معها كأية دولة كومبارس.

فما عدا إيران وكوريا الشمالية وبعض الدول الأخرى مثل كوبا التي ما زالت على الخارطة الجغرافية تريد أن تحتفظ بمساراتها في مدار الأنظمة الكبرى القديمة التي لم تعد موجودة أصلاً بل وقعت بنفسها في المدار الجديد منذ زمن طويل، هذه الدول التي لا تمثل إلا ما يمكن أن تمثله القشة في وجه عصا العملاق الأميركي... فإنه لا توجد هناك دولة في العالم الحر وغير الحر إلا وتسير في أو خلف مسار الخط الجديد الذي هيمن على مجريات الأمور في العالم منذ تطبيق سياسة البرويسترويكا في الاتحاد السوفييتي سابقاً.

أما واشنطن فهي تمثل مقصورة القائد. بعد أن استطاعت أن تلغي من الخارطة منافستها القديمة، وتحول منظمة الأمم المتحدة بمن فيها إلى مجرد ناسخ يكتب ما يملى عليه حتى ولو كان مجانباً للحقيقة والصواب.

وما كان قد تمناه البعض (خاصة من العرب والمسلمين) من أن تلعب دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا في رسم خارطة العالم الجديد بعد سقوط جدار برلين، أصبح أثراً قبل أن يصبح عيناً! فلم تعط هذه الدول المسكينة والتي استعمرت العالم لعقود من الزمن ثم انسحبت.

أي فرصة لكي تتمتع بأساطيلها وترسانتها العسكرية ولا لحظة واحدة حتى صدئت في مخازنها الأرضية وأصبحت تبيعها بعد نهاية صلاحيتها إلى الدول الفقيرة المتحاربة. فمدافع تلك الدول توقفت تماماً بعد نهاية الحقبة الاستعمارية وخروجها من الكثير من الدول التي بحثت عن حماية مصالحها فيها.

فليس هناك حقبة جديدة ولا عصر جديد سيدخله العالم أو المنطقة بعد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل كما يدعي الكثيرون من منظري السياسة.

كل ما في الأمر أن الأمور أصبحت ملموسة وذات أبعاد حقيقية. وكل ما يقال عن انتصار المقاومة في لبنان واستمرارها في العراق لم ولن يغير شيئاً في الخطوط العريضة التي رسمت لشكل العالم الذي أخذ بعداً جديداً منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي.

كما أن هذه المقاومة قد يقدر لها أن تعرقل قليلاً سرعة الالتفاف على العالم لكنها لن تستطيع بأي حال من الأحوال إيقاف عجلته إلى الأبد. وإذا كان يصح في السابق أن نقول إن هناك دول عالم أول وعالم ثاني وعالم ثالث وعالم متحضر وآخر غير متحضر أو تحت التنمية، فإن العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي لم يعد سوى قطيع بأجناس مختلفة يحاول راعٍ واحد أن يقوده بعصي متفرقة. واحدة من هذه العصي وربما أهمها لسوء الحظ مرفوعة في وجه الشرق الأوسط الذي يعتقد البعض أنه سيصبح كبيراً في يوم من الأيام.

لذا فإن من كتب وتحدث عما سيكون عليه شكل الشرق الأوسط الكبير في المستقبل القريب أو البعيد انجر خلف هذا المصطلح الوهم دون أن يعلم بأن الشرق الأوسط الكبير موجود منذ زمن بعيد. والكثير من دول الشرق الأوسط تتمتع بحماية الولايات المتحدة الأميركية! وهذا هو المراد أساساً من (تكبير الشرق الأوسط).

فلو تمت مساعدة بعض دول الشرق الأوسط للوصول إلى مرحلة القدرة على اختيار زعاماتها القيادية وممثليها في المجالس التشريعية، فإنه من جهة أخرى لن يسمح لأي حزب من الأحزاب أن يصل إلى سدة الحكم ما لم يوقع على صك موافقته على الخطوط العريضة التي يجب عليه الالتزام بها والخضوع لها حتى ولو كانت تخالف مبادئه وتتعارض مع قيمه أو برامجه التي انتخب على أساسها. كما حصل في فلسطين مثلاً.

استطاعت الأحداث الأخيرة في لبنان أن تؤكد للعالم مرة أخرى وربما أخيرة بأن الخروج على سياسة الولايات المتحدة الأميركية يتحول في قواميس السياسة الحديثة إلى إرهاب أو مقاومة. والمقاومة أياً كان نوعها هي مقاومة (غير شرعية) دون نقاش في ظل المعطيات الجديدة، فهي إذن إرهابية.

ويجدر بالذكر أن المقاومة في لبنان وما خطط لها لضربها لا تتوقف عند حدود معنى (المقاومة المسلحة)، ولكنها تعدت ذلك لتصل إلى (المقاومة الفكرية) لكل ما هو مرسوم مسبقاً لشكل هذا العالم. فكل من يسمح لنفسه بأن (يفكر) بأن ما تمارسه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة مثلاً من خلال عصا (إسرائيل) مخالف لحقوق الإنسان أو للنظام العالمي أو للأخلاق يتحول بشكل آلي إلى (إرهابي أو متطرف) وتستوجب مسائلته والتحقيق معه إلى أن يقر بعكس ذلك ويسير في الخط الذي رسم له ولغيره منذ زمن بعيد.

العالم كله اعترف بانتصار المقاومة في لبنان. حتى إسرائيل نفسها لم تخف إعجابها بالمقاومين. ولكن الكثيرين ربما لم يدركوا أن إسرائيل لم تدخل الحرب راغبة فيها بل كان عليها أن تجسد الدور الذي رسم لها. كما أن الهدف الأساسي من دخولها لم يكن مطلقاً الخروج منتصرة في هذه الحرب.

فهي تعلم من تجاربها السابقة استحالة القضاء على مقاومي حزب الله والانتصار عليهم. إلا أنها دخلت لتشرح للعالم مدى الدمار الذي يمكن أن يلحق بكل من يفكر بالمساس بمصالح الولايات المتحدة الأميركية في أي مكان من العالم حتى تعود عشرين سنة للخلف.

فلبنان في الأسابيع الخمسة التي مضت كان مجرد خشبة مسرح مصغر ولعبت المقاومة وإسرائيل الدور بشكل رائع وفق السيناريو الذي وضعه المخرج، أما العالم مجتمعاً وممثلاً في منظمة الأمم المتحدة فقد نجح ببراعة في تمثيل دور المشاهد الذي جلس مؤدباً لمتابعة أحداثها. ولم يسمح له حتى بالتصفيق عند نزول الستارة.

فمن يا ترى يرغب بعد اليوم في تمثيل مسرحية جديدة أخرى مشابهة لتلك التي دارت رحاها على أرض لبنان؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com