هل هو قدرنا المأساوي كعرب أنه حتى حينما نحقق انتصاراً على إسرائيل في جنوب لبنان لا نعرف كيف نحتفل به، أو نستفيد منه أو نبني عليه، بما قد يحوله إلى مكسب في صالح العدو الذي انهزم معنوياً وأخلاقياً وعسكرياً.
النتيجة النهائية للمعارك كانت انتصار المقاومة وهزيمة إسرائيل باعتراف قادتها ووسائل إعلامها، لكن الحاصل على الساحة السياسية اللبنانية وفي مجلس الأمن وبعض العواصم العربية هو محاولات محمومة من قبل أطراف صارت مكشوفة لتحويل الانتصار العسكري للمقاومة وللشعوب العربية إلى هزيمة سياسية تمكن إسرائيل من الحصول على ثمن سياسي لم تستطع آلتها العسكرية الجبارة إنجازه في ميدان المعركة.
يبدو مفهوماً تماماً أن يحاول قادة العدوان الإسرائيلي التغطية على فشلهم الذريع، ويبدو مفهوما أيضا أن تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها وتضغط بكل ما تملك كي لا يتحول نصر المقاومة إلى واقع سياسي، لكن من غير المفهوم أحياناً أن تشاركهم أطراف لبنانية وعربية في هذا المسلك.
تلك هي بالفعل معضلة الانتصار اللبناني الأخير، أي أن تتآمر عليه أطراف كان ينبغي عليها الاحتفاء به وتعظيمه لأنه يصب في مصلحة تقوية لبنان كدولة وحكومة. لكن بقليل من التمحيص يتبين لنا للأسف الشديد أن أطرافاً عربية عندما ألقت بأوراقها في السلة الإسرائيلية الأميركية منذ اللحظة الأولى للعدوان وجدت نفسها محشورة في هذه السلة حتى اللحظة الراهنة.
صار معروفاً للقاصي والداني ان هذه الأطراف اللبنانية والعربية راهنت منذ بداية العدوان على هزيمة مبكرة للمقاومة، لكنها فوجئت بصمودها أولاً ثم انتصارها ثانياً رغم كل الألغام المتضمنة في قرار مجلس الأمن رقم 1701، ورغم هذا الموقف المخزي كان أمام هذه الأطراف فرصة لمراجعة نفسها والاعتذار لشعوبها وللمقاومة كي تصحح خطأها وتزيد من قيمة الانتصار، لكن يبدو أن الطبع يغلب التطبع، وهكذا وجدناها تسير في ركب محاربة المقاومة حتى الرمق الأخير.
كل ما سبق معروف تقريباً للجميع، لكن خطورته هي ما لا يظهر للجميع، والسبب ببساطة ان هذا الموقف الالتحاقي لبعض الأطراف العربية بواشنطن وتل أبيب صار يؤسس علنا لسياسة المحاور في المنطقة.
المحاور في حد ذاتها ليست جميعها سيئة، لكن السؤال هو مع من تتحالف وعلى أي ثمن تحصل، وهل هذا الحلف لمصلحة شعبك وأمتك أم أنه لمصلحة الكرسي الذي تجلس عليه فقط وتهيئة من بعدك لمن سيخلفك؟
كثير من العرب تحالفوا مع الاتحاد السوفييتي السابق لأنه كان يمدهم بالسلاح والدعم السياسي أمام الولايات المتحدة الراعي والداعم الرئيسي للعدوان الصهيوني المستمر منذ عام 1948، الآن انقلبت الآية تماما، صار أمراً عادياً ان تعلن أطراف عربية عدم ممانعتها في التحالف ليس فقط مع الولايات المتحدة ولكن مع العدو نفسه أي مع إسرائيل. هذا تغير استراتيجي بالغ الخطورة على الأمن القومي العربي.
هذه الأطراف العربية تمارس سياسة التضليل ضد شعوبها.. هي تعلن أن الخطر الإيراني في اللحظة الراهنة أشد ضرراً من الخطر الإسرائيلي، وتلك كارثة كبرى.. صحيح أن السياسة الإيرانية ليست ملائكية، ونواياها الفعلية ضد العرب ليست واضحة تماما،
وتصر على بعض الممارسات غير المقبولة فيما يتعلق بنظرتها لكثير من الملفات العربية، لكنها في كل الأحوال ليست إسرائيل، ولا يمكن أن تكون.مشكلتنا كعرب أننا حتى الآن لا نعرف كيف نفرق بين الأولويات، ولا نفرق بين التكتيكي والاستراتيجي، ومن هو العدو ومن الصديق.
هناك خلافات مذهبية منذ مئات السنين بين السنة والشيعة، وهي لن تنتهي اليوم أو غداً، لكن المؤكد أن هذا خلاف ينبغي إدارته، في ظل حوار بين طرفين مسلمين، أما الخلاف مع الصهاينة ومن يدعمهم علنا فهو خلاف حول الوجود نفسه، ليست السطور السابقة دعوة إلى حرب دينية بين المسلمين وغيرهم ولكنها فقط دعوة إلى كل العقلاء في المنطقة العربية وفي الأمة الإسلامية إلى التفريق بين كيفية إدارة الخلاف مع عدو يهدد وجودنا وشقيق سيظل جارنا.
emadiraqi@yahoo.com