نحو أسبوعين مر على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يفترض أنه أدى إلى وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان وتوقف العمليات الحربية هناك، فيما الأوضاع تنطوي على احتمالات صعبة وخطيرة.

المنطقة تبدو كما لو أنها تتعرض إلى تسونامي متعدد النشاطات والوسائل، لا يكف عن العمل من أجل إعادة تشكيل وصياغة منطقة الشرق الأوسط على نحو يجعلها محمية طبيعية أميركية إسرائيلية، وهو هدف للاستراتيجية الأميركية لا تكف وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عن مواصلة التبشير به.

مخطط الشرق الأوسط الجديد الذي تريده الولايات المتحدة يقوم على مبدأ التفكيك والاستيعاب لمعظم الوحدات الإقليمية السيادية، وبحيث يمكن إذا اقتضى الأمر تغيير اللاعبين السياسيين في المنطقة، وإضعاف هذه الوحدات (الدول) إلى حدود تسمح بالسيطرة عليها،

الأمر الذي يفترض ضرب وملاحقة كل محاولات ومشاريع النهوض القطري والقومي، وضرب أدوات وثقافة المقاومة والممانعة العربية، وكل ذلك بذريعة نشر قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وإنصاف المرأة ومحاربة الجهل والمرض ومن أجل بناء نظام التنمية والمعرفة.

وإذا كانت استراتيجية الشرق الأوسط الجديد، قد سبقت عملياً وزمانياً، العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وقبله بأيام على الفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة، فإن الحرب العربية الإسرائيلية السادسة، تشكل عن حق مفصلاً أساسياً في انتقال تلك الاستراتيجية إلى مرحلة أخرى بعدما جرى في العراق وفي أفغانستان، وما عرفته المنطقة من تداعيات على دول وشعوب أخرى، أحدثتها الحروب على العراق وأفغانستان.

ثمة اعترافات أميركية بشأن النظر للأحداث الدموية وغير الدموية الجارية في المنطقة لا تحتاج إلى شرح، فالمنطقة حسب رايس تمر في مرحلة مخاض ما قبل ولادة الشرق الأوسط الجديد، ومن يتابع النشاط الأميركي أثناء حرب الأسابيع الخمسة وبعد ذلك،

وأيضاً النشاط الإسرائيلي والدولي عموماً، سيتبين أن ثمة إصرارا أميركيا إسرائيليا على المواصلة وأن النتائج التي توقفت عندها الحرب العربية الإسرائيلية السادسة غير مقبولة لدى هذين الطرفين، ولذلك فإنهما يتابعان العمل من أجل تحقيق أهداف الحرب.

أهداف الحرب تستدعي سحب سلاح حزب الله وإبعاده عن الجنوب وتحويله إلى حزب سياسي في إطار الدولة اللبنانية ووفق اشتراطات اتفاقية الطائف بين القوى اللبنانية المختلفة. يستدعي هذا الهدف، قطع خطوط إمداد الحزب، وتحالفاته مع سوريا وإيران، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب،

لكي يتمكن بعد إعادة تسليمه وبالتعاون مع قوة اليونيفل الدولية، من ضمان إبعاد مقاتلي الحزب عن تهديد إسرائيل وترك بقية المهمة للقوى اللبنانية الداخلية التي يفترض أن تتلقى الدعم والمساندة من الولايات المتحدة ودول أوروبية وعربية أخرى.

ومن اللافت أن التحركات والتصريحات التي جاءت بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي، تصب في اتجاه تحقيق هذا الهدف، فالتردد الدولي إزاء تشكيل القوات الدولية التي ينص عليها القرار قد يعكس اختلافات واسعة بين الدول، سواء فيما يتصل بالدوافع أو الأهداف، لكنه يخلق الظروف ويعطي الوقت اللازم، لإمكانية المناورة، وربما إلى عودة الاشتباكات.

مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة تيري رود لارسن، قال من إسرائيل وبتناغم مع ما صدر من تصريحات أدلى بها مسؤولون إسرائيليون، إن انتشار الجيش اللبناني وقوة اليونيفل بعد استكمال تشكيلها قد يستغرق ثلاثة أشهر مما يعني وجود فراغ قد يؤدي إلى اشتعال الوضع لأسباب عرضية أو غير عرضية.

كأن لارسن يبرر لإسرائيل مواصلة خروقاتها المتعمدة لوقف إطلاق النار، وهي خروقات يومية، كان أهمها الإنزال الإسرائيلي في محيط مدينة بعلبك شمال لبنان يوم السبت الماضي التاسع عشر من الشهر الجاري، فضلاً عن استمرار الطيران الحربي الإسرائيلي في التحليق فوق لبنان وشن غارات وهمية،

وكل ذلك في إطار استمرار الحصار الجوي والبحري والبري الذي تصر إسرائيل على مواصلة فرضه. والحال ان وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس قد تحدث عن استعداد إسرائيل للجولة القادمة من الحرب، فيما استمر الجيش الإسرائيلي في احتلال أجزاء من جنوب لبنان، ويمنع انتشار الجيش اللبناني في العديد من القرى والبلدات والمناطق المحاذية للخط الأزرق.

إسرائيل تتطلع إلى أن يتضمن جدول مهمات الجيش اللبناني وقوات اليونيفل، مراقبة الحدود السورية اللبنانية لمنع وصول الأسلحة لحزب الله، فيما تلوح واشنطن بإمكانية استصدار قرار جديد عن مجلس الأمن يعالج مباشرة سلاح حزب الله ويشكل استكمالاً لمحاولات إجهاض الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية عبر السياسة والوسائل الدبلوماسية.

ولأن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان من قوات اليونيفل الدولية أن تلعب دوراً هجومياً يستهدف تحقيق هدف إبعاد حزب الله وسحب سلاحه، فقد اشترطت إسرائيل عدم مشاركة أي دولة لا تقيم علاقات مع إسرائيل وربما كان الخلاف حول صلاحيات اليونيفل، يشكل واحداً من أسباب تراجع فرنسا، وتردد إيطاليا، التي تشترط للمشاركة وقيادة القوة الدولية أن تتوقف إسرائيل عن خرقها لوقف إطلاق النار.

استكمال مخطط تحقيق الأهداف يقتضي التلويح لسوريا بالعصا والجزرة، وهو ما يفسر استمرار لغة التهديد التي تصدر عن كل من واشنطن وتل أبيب، وفي الوقت ذاته، إعطاء إشارات متناقضة. ففي حين تبادر وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني لتشكيل فريق يقوم بفحص ممكنات التفاوض مع سوريا،

ويصدر عن وزير الأمن الداخلي آفي ديختر تصريح بإمكانية تحقيق السلام مع سوريا، فإن أولمرت رئيس الحكومة، يتحدث عن عدم إمكانية التفاوض مع سوريا إلا إذا أوقفت دعمها لما يسميه بالإرهاب، أما نائبه شمعون بيريز فلا يرى أن الوقت مناسب لإطلاق المفاوضات مع سوريا.

إذا عدنا للوضع الداخلي اللبناني، فإن بعض القوى هناك لم تتأخر في إطلاق إشارة البدء بفتح ملف الحرب، أسبابها وأهدافها وتداعياتها وموضوع سحب السلاح واندماج حزب الله من موقع مختلف وأدوات مختلفة في الحياة السياسية والدولية.

ففي رده على خطاب الرئيس بشار الأسد، عبر مؤتمر صحافي بثته الفضائيات وتناقلته الصحف، كرس رئيس التكتل الديمقراطي وليد جمبلاط الجزء الأكبر من حديثه للرد على حزب الله وزعيم المقاومة حسن نصر الله، ولتفنيد كل ما ورد في خطاباته وسلوكه إبان الحرب وبعدها.

وعلى نطاق أوسع لم يترك أثراً، الاجتماع الثالث منذ الحرب الذي عقده وزراء الخارجية العرب في القاهرة الذي تغيب عن حضوره وزير الخارجية السوري وليد المعلم لأسباب تتصل بردود الفعل على خطاب الرئيس الأسد، فيما تغيب عن حضوره خمسة وزراء خارجية آخرين، ما يدل على ضعف الاهتمام، أو بما يعكس حالة عربية أصبحت معروفة سماتها.

هذه الأحداث والتداعيات الجارية تتزامن مع استمرار وتصاعد التهديدات الأميركية بفرض عقوبات اقتصادية على إيران، على خلفية ردها الذي صدر في الثاني والعشرين من هذا الشهر، بشأن ملفها النووي، ورزمة العرض الذي سبق أن قدمته لها الدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا.

وعلى جوار لبنان يستمر العدوان والحصار الإسرائيلي ويتصاعد ضد الفلسطينيين ونظامهم السياسي، خصوصاً في قطاع غزة، منذ شهرين، أي منذ عملية «الوهم المتبدد» التي قامت بها المقاومة الفلسطينية وأدت فيما أدت إليه إلى أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت. والحقيقة أن العدوان والحصار على الفلسطينيين قد سبق ذلك بكثير،

وعلى خلفية فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي التي وقعت في يناير أول هذا العام، وجعلت الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل تفرض على الفلسطينيين حصاراً مالياً وسياسياً ظالماً. المعادلة المطروحة على النظام السياسي الفلسطيني من قبل الأطراف التي تفرض الحصار تضع حركة حماس أمام واحد من خيارين،

فإما أن توافق على شروط ثلاثة هي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ونبذ ما يسمى بالإرهاب والاعتراف بالاتفاقيات السابقة،وعندها يمكن أن تستمر في الحكم، وإما أن عليها أن تتخلى عن الحكم والحكومة. وفي الواقع ان تمسك حركة حماس بمواقفها

رغم إبدائها مرونة لا تلبي حدود القبول الأميركي الإسرائيلي، وتمسكها أيضاً بالحكم قد جعلها عنوانا مستهدفا من قبل إسرائيل ومن يساندها ودون أن يعبأ هؤلاء للثمن الكبير الذي يدفعه الشعب الفلسطيني الذي يتعرض هو في الأساس لإجراءات عقاب جماعي لا يرحم.

لوحة الأهداف التي تتضمنها استراتيجية الشرق الأوسط الجديد الأميركية لم تستكمل بعد، لكن ما ورد منها وما سيتحقق أولاً يتحقق، سيعكس نفسه على المراحل والأهداف اللاحقة. ومن الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتمتعان بعناد شديد للمواصلة بغض النظر عن الأسلوب،

وتناقض القيم والمعايير ، فالنتيجة بالنسبة إليها تبرر الوسيلة. وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن نتوقع أية نتائج عن تقرير منظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات غير الحكومية، تلك التقارير التي تحدثت عن ارتكاب إسرائيل جرائم حرب بحق الإنسانية.

كاتب فلسطيني