انقطع التواصل بيني وبين قرائي بضعة أسابيع، وهو انقطاع بقيت من خلاله مشاعر الالتزام والرغبة في التواصل قائمة، لكن ظروفا عامة لم تحققها. واليوم وأنا استعيد هذه العلاقة الحميمة والجميلة، سأبدأها بكلمات وجدتها ضمن أوراقي القديمة. كلمات لم أنشرها في وقتها، لكن العودة لها جعلتني أشعر أنها ما زالت تنطبق علينا اليوم. هذه الكلمات مكتوب فيها:
تذكر لنا روايات التاريخ أن الحلاج، وهو مصلوب في شارع من شوارع بغداد مر عليه أقرب صحبه فرماه بوردة فالتفت إليه الحلاج وقال له «جرحتني». تذكرت هذا القول أو الموقف وأنا أسمع نداء في واحدة من محطاتنا الإذاعية تدعو فيه مستمعيها إلى التبرع «للمواطنين العراقيين».
لا أعرف هل تشابه أو لم يتشابه علي الموقف، لكنه حتما مس في موقعا آلمني ولم أستطع تفادي ذلك الألم، موقعا يحتل فيه «كبرياء العراق» هرما عاليا هرما لم تستطع ركامات كل الحروب، وآخرها حرب الرئيس بوش، أن تدفنه.
استعدت هذه الكلمات اليوم لموقف مشابه، الدعوة للمساهمة في رفع معاناة الشعب والأرض اللبنانية، إذ تظهر أحيانا في تلك الدعوة بعض العبارات التي ربما «تجرح» مشاعر اللبنانيين أكثر من أن تداويها. ونحن إذ نشعر أن الواجب، وكل مشاعر الأخوة والصداقة والإنسانية، وغير ذلك تدفعنا للوقوف إلى جانب لبنان،
إلا أن هذه الوقفة يجب أن ندرك أنها وقفة لنا مع أنفسنا أولا، لأن حرب لبنان، أو الحرب على لبنان ليست حربا عليه وحده، كما يدرك أكثرنا، ودفاع اللبنانيين الذين تصدوا للعدوان الشرس واللاإنساني والمجرم عن أرضهم وعن عزتهم لم نشعر للحظة أنه كان فقط دفاعا عن لبنان،
بل هو دفاع عن أمتنا كلها ونصرة لنا جميعا. من هنا طبعا يجب أن ينطلق موقفنا لمساندة لبنان، والذي يجب أن يكون موقفا قويا وشجاعا، ومتكاملا أيضا.إن مساندة الشعب اللبناني، بكل أشكال المساندة، ضرورية في هذه اللحظات، وكل اللحظات. فلبنان اليوم، ودوما، هو الذي تتجلى فيه دوما أسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من رمادة ويستعيد جذوة الحياة في كيانه.
ونحن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أن نستعيد ذلك الطائر، حتى لا تتهاوى أجنحة أمتنا الواحد بعد الآخر، ونبقى طيورا مقصوصة الأجنحة، عاجزة عن الطيران وعن التحليق في فضاء العزة والوجود. لبنان البلد الذي تتنفس أوديته روائح الزعتر البلدي، مثلما تتنفس أغنيات الحرية والكرامة والعزة.
لبنان بلد يجسد حالة قوس قزح، بأطيافه المختلفة، حين تنزل عليه أمطار الصفاء فتتناغم ألوانه وتعطينا دلائل التعايش الجمالي. ولقد تجسدت تلك الدلائل في حرب لبنان الأخيرة أكثر من أي وقت مضى. إذ لأول مرة تصير تلك الحرب وقودا جيدا، ليس للخلافات، ولكن للأنوار التي أضاءت سماء غالبية اللبنانيين وجعلتهم ينسجمون جميعا في نشيد جميل يدعو للبنان حر ولبنان متحد.
حرب لبنان الأخيرة كشفت أيضا مدى التدهور في حالة الأخلاق السياسية فيما يسمى بقيادات الدول الكبرى، إذ تبين أكثر من أي وقت مضى أن تلك القيادات تتحدث عن الديمقراطية وحق تقرير المصير، والحرية وحقوق الإنسان، إلى آخر تلك الشعارات الزائفة، فقط حين يتعلق الأمر بجماعات ترتبط بها وتريد نصرتها على جماعات أخرى، وأن مسألة الأخلاقيات هذه ليست مسألة مبدأية يتم الدفاع فيها عن كل البشر.
حرب لبنان الأخيرة غيرت أيضا حتى مواقف بعض من كانوا في يوم من الأيام محسوبين ضمن من دخلوا في حالة قبول أو ممارسة للتطبيع مع إسرائيل. وهذا ما أدى بالتالي إلى أن تخسر إسرائيل، بارتكابها للجرائم الكبيرة في لبنان، بعض من كانوا على استعداد يوما لأن يصبحوا من أصدقائها.
ربما لأنها أحرجتهم كثيرا، أو أنهم وجدوا أنفسهم في حالة لا يستطيعون معها قبول الشعارات السياسية الإسرائيلية بعد الجرائم الكبيرة التي ارتكبتها دولة العدوان في لبنان، وبعد رؤيتهم للدولة الديمقراطية تقصف دون رحمة أجساد الصغار وتترك بقاياهم محشورة بين ركام الأسمنت والحديد، ولعبهم وأحلامهم محروقة معهم.
حرب لبنان الأخيرة عزلت أيضا الكثير من السياسيين العرب الذين تنازلوا للمخططات الاستعمارية وقبلوا صياغتها، حيث جعلتهم أقل الساسة قبولا لدى الإنسان العربي وأفقدتهم شعور المحبة والعزة والاحترام. الشارع العربي أيضا كان حضوره واضحا في هذه الحرب،
حيث عبر هذا الشارع، بشكل أو بآخر، عن أن قبوله للسياسات التي تتنازل لإسرائيل أو تلغي عزته وكرامته غير وارد، وأنه متى ما وجد سراجا ينير له درب المقاومة فسيتبعه، بل وسيداري وقوده، أو يمده من دمه.
قفوا إلى جانب لبنان، اليوم وكل يوم، فانتصار لبنان هو انتصار للكرامة والعزة العربية، فلبنان عربي ودفع ثمن عروبته غاليا. وبناء لبنان ودعمه للوقوف صامدا مرفوع الهامة سياسيا واقتصاديا هو رفع لهاماتنا جميعا. إن لبنان يستحق أن نقف معه ونسنده بكل الإمكانات،
وأن لا نترك منفذا للبنان تمر منه سياسات خارجية مغرضة هدفها لف طوق من حديد على رقبة لبنان ومن ثم إدخاله في حالة عجز تمنعه الذود عن كرامته وكرامتنا. وتحية لكل شرفاء لبنان الذين غذوا بدمهم وعرقهم عنفوان شجرات الأرز حتى لا تجرفها المجنزرات الإسرائيلية أو تحرقها قنابله، والرحمة والمجد لكل الشهداء الذين غادرونا إلى عالم أجمل من عالمنا، بإذن الله.
جامعة الإمارات