بعد أن أصبحت تحتل روسيا المرتبة الأولى في العالم في تصدير الغاز والثانية في تصدير النفط ومشتقاته، بدأت توجه جهودها لتطوير تعاونها في مجال الطاقة مع البلدان الأخرى في مجال الطاقة، وتحاول اجتذاب اللاعبين الأساسيين في أسواق الطاقة العالمية لمناقشة مبادرات ومقترحات عملية خاصة بتنويع وأمن الطاقة، وحماية مصادر الطاقة من مخاطر تهديدات الإرهاب الدولي، إضافة إلى تطوير الطاقة الذرية، وتكنولوجيا ترشيد استهلاك مصادر الطاقة.

وتنطلق موسكو في مساعيها لضرورة إنشاء نظام يضمن حماية موارد الطاقة من مخاطر اندلاع الصراع الهادف للسيطرة على هذه الموارد، حيث يسود اعتقاد في أوساط الاقتصاديين والسياسيين أن الغموض الذي يخيم على استراتيجيات الطاقة لبعض البلدان «يمثل تهديدا» لأمن الطاقة، وخاصة استمرار إمداد بلدان العالم بالطاقة.

وأن عدم التوازن بين قوى الطلب وقوى العرض في أسواق الطاقة وأسعار النفط المرتفعة يأتي في مقدمة الأسباب لعدم استقرار أسواق الطاقة. ووفق معدلات النمو الحالية لاستهلاك النفط فإن دول العالم ستحتاج إلى أعداد 7 أو 8 أمثال عدد حقول النفط التي تستثمرها السعودية الآن لتكون جاهزة للاستثمار قبل عام 2030 وفقا لتقديرات الوكالة الروسية للطاقة،

مما يعنى أن الطاقة النووية لابد وأن تصبح أحد مصدر الطاقة الأساسية خلال الربع قرن الحالي.ويبدو أن العديد من دول العالم تدرك هذه الحقيقة، وسارعت إلى استخدام الطاقة الذرية في إنتاج الكهرباء.مما يفرض على المجتمع الدولي وضع القواعد ليمكن هذه البلدان من الاستفادة بتقنيات الطاقة الذرية في ظل نظام منع انتشار الأسلحة النووية.

وقد أسفر هذا الوضع عن ظهور معادلة طرفها الأول القلق الأوروبي بسبب اعتماد دول أوروبا الغربية على مصادر الطاقة الروسية، حيث سيغطي الغاز الروسي في عام 2020 حوالي 70% من احتياجات القارة الأوروبية، كما بلغ حجم صادرات روسيا من النفط الخام إلى أوروبا 256 مليون طن في عام 2005،

بينما ارتفعت صادرات منتجات النفط من 63 مليون طن إلى 78 مليون طن. كما ازداد حجم الصادرات الروسية من الفحم إلى أوروبا من 44 مليون طن إلى 72 مليون طن. أما طرفها الثاني فهو إدراك الكرملين لمدى حيوية الطاقة كأداة سياسية لتحقيق المصالح الروسية.

ومنذ البداية حرصت روسيا على تهدئة الأوروبيين، وأعلن الرئيس فلاديمير بوتين عدة مرات أن أهم بنود إستراتيجية الطاقة الروسية يتمحور حول توفير الغاز للدول الأوروبية، وقد وعد بوتين بزيادة صادرات روسيا إلى أوروبا من الغاز الطبيعي، وذلك بعد أن بلغ حجم صادرات الغاز إلى أوروبا في عام 2005 حوالي 145 مليار متر مكعب.

ويفترض أن تصدر «غاز بروم» (وهي شركة أساسية لإنتاج الغاز في روسيا) ما لا يقل عن 180 مليار متر مكعب سنويا إلى السوق الأوروبية خلال عام 2010. وأضاف فلاديمير بوتين أن موسكو قد وافقت على قيام بعض الشركات الأوروبية باستثمار حقول الغاز الروسي، وتسويق الغاز في الأسواق العالمية.

وأشار أيضاً إلى أن إستراتيجية الحكومة الروسية تقوم على توسيع مجالات الاستثمار في قطاع الطاقة بهدف زيادة إنتاج النفط والغاز الطبيعي، وزيادة صادراتهما إلى الأسواق العالمية، معتبرا أن إنشاء خط أنابيب الغاز في شمال أوروبا وتوسيع عدد المشاركين في إنشائه سيحقق درجة عالية من الاستقرار في مجال الطاقة بالنسبة لأوروبا.

أما مصدر القلق الأوروبي فيتمثل في رفض موسكو المصادقة على ميثاق الطاقة الأوروبي الذي اقر عام 1991، والذي يستهدف اجتذاب موارد المستهلكين الأوروبيين الغربيين المالية إلى الصناعة الاستخراجية في البلدان المنتجة للغاز،

وهو عمليا يرسم ملامح إستراتيجية الطاقة للاتحاد الأوروبي، إذ يدعو إلى تحرير أسواق الغاز والكهرباء في الاتحاد الأوروبي وتقليص مشتريات موارد الطاقة خارج الاتحاد الأوروبي. وإضافة لذلك يدعو إلى هدم النظام القائم للاتفاقيات الثنائية بين بلدان الاتحاد الأوروبي وروسيا ويقترح أن يحل محلها اتفاق إطار واحد بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.

وفي هذه الحالة ستتاح لبلدان أوروبا الشرقية الفرصة لحماية أسواقها من الاتفاقيات الثنائية، مثل الاتفاق الروسي ـ الألماني لتشييد خط أنبوب الشمال الأوروبي لنقل الغاز.هذا الوضع ظهر خلال حملة في أوساط الرأي العالم الغربي حول ضرورة تقليل الاعتماد على روسيا في توفير الطاقة اللازمة للمستهلك الأوروبي،

باعتبار أن موسكو تستخدم الطاقة كأداة لتحقيق أغراضها السياسية ويعتقد الخبراء الأوروبيون أن المشكلة الأساسية التي تواجه أوروبا ومنتجي الطاقة في مناطق وسط آسيا وحوض بحر قزوين تعود لضعف قدرات المنتجين على نقل منتجاتها من الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، مما جعل الشركات الروسية المحتكر الأساسي لعمليات نقل الغاز والطاقة بشكل عام من هذه المناطق إلى أوروبا.

ويعتبر هؤلاء الخبراء أن تعاون دول آسيا الوسطى والاتحاد الأوروبي، بعيدا عن التدخل الروسي أصبح حاجة ملحة لتحقيق مصالح الجانبين، باعتبار أن منتجي الطاقة في وسط آسيا سيحصلون على أسعار لمنتجاتهم تزيد على الأسعار التي تشترى روسيا بها الغاز والنفط من دول الإقليم، وقد أعلنت قيادة الاتحاد الأوروبي عدة مرات عن رغبتها في عقد اتفاقيات مباشرة مع كازاخستان وتركمانيا لشراء الغاز والنفط، دون وساطة روسيا.

وفى مواجهة دعوات الغرب بالإقلال من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية أعلن بوتين أن بلاده تفتح أسواقا بديلة للسوق الأوروبية، وذلك بسبب القلق الناجم عن هذه الحملة والتي أدت للاعتقاد أن الغرب سيقلص وارداته من موارد الطاقة الروسية،

مما سيؤدي لآثار سلبية عميقة على الاقتصاد الروسي.وكان ذلك عقب توقيع اتفاقية بين موسكو وبكين، ستقوم الشركات الروسية بموجبها بإمداد الصين بحوالي 60 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يساوي نصف حجم صادراتها إلى الأسواق الأوروبية،

وأكثر من ثلث إنتاج روسيا من الغاز الطبيعي، مما يعني بالضرورة أن بوتين أراد تبادل الأدوار مع الاتحاد الأوروبي، وبدلا من أن تفرض أوروبا شروطها على المنتج الروسي، ستضطر إلى الدخول في المنافسة على موارد الطاقة الروسية إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية والصين.

وبدأت تظهر اتجاهات في أوساط السياسيين الروس تدعو للتعامل مع موارد الطاقة الروسية من نفط وغاز وفحم ليس كسلعة تجارية وإنما موارد إستراتيجية جيوسياسية، وتطالب بإعادة النظر في مبادئ وآليات استخدامها.ويعتقد الخبير الاقتصادي ميخائيل ديلياجين رئيس معهد دراسات العولمة انه على الحكومة الروسية إلغاء كافة الاتفاقات

والعقود التي وقعتها مع الشركات العالمية في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي التي تتنافى مع القوانين والمصالح الروسية مثل «كونسورتيوم مشروع إنشاء خط أنابيب بحر قزوين» أو اتفاقية (تقسيم المنتجات) التي يحصل بموجبها المستثمرون الأجانب على كل الأرباح،

ويطالب بإخضاع استثمار حقول النفط والغاز إلى الشركات الحكومية أو الشركات الروسية الخاصة بإشراف الدولة، وان تبقى خطوط أنابيب النفط والغاز ملك الدولة الروسية ولا يجب فتحها أمام الرأسمال الأجنبي، بل ولابد من بذل كافة الجهود لمنع تنفيذ مشروع مد خط أنابيب لنقل الغاز من كازاخستان إلى تركيا بعيدا عن روسيا لأن هذا المشروع يعزل روسيا عن غاز تركمانيا وأوزبكستان.

وتجد هذه التوجهات تجاوبا في سياسة الحكومة، حيث رفض وزير الطاقة الروسي فيكتور خريستينكو وجهات النظر التي تعتبر الشركات الخاصة تفوق فعالية الشركات الحكومية موضحا أن الضرورة تقتضي تجميع شركات النفط والغاز في شركات قابضة كبيرة تستطيع تذليل مصاعب العمل في مناطق نائية ذات ظروف طبيعية قاسية، باعتبار أن هذه الإمكانية لا تتوفر لدى الشركات الكبيرة.

تكشف الخطوات التي تتخذها الحكومة لدعم شركتي (غاز بروم) و(روس نفط) اللتين تسيطران على90% من إنتاج الغاز في روسيا وأكثر50%من إنتاج النفط، إن الكرملين ينفذ التوجهات التي أشار لها وزير الطاقة، ويقوم بتأميم قطاع الطاقة الروسي وفق قوانين السوق الرأسمالي،

عبر تدمير المنافسين لحساب هاتين الشركتين.بدءا من تفتيت شركة (يوكوس) وبيع أكبر الشركات التابعة لها (يوجانسك نفط) لشركة(روس نفط)، مرورا بالتضييق على نشاط الشركة الروسية-البريطانية (THK-BP).

إن خطوات الحكومة الروسية نحو السيطرة على قطاع الطاقة الروسي، وان كانت مبررة باعتبار أن عمليات الخصخصة التي تمت في منتصف التسعينات لمؤسسات هذا القطاع تمت عبر نهب وفساد حكومي،

إلا أنها تستهدف أيضا أن تصبح روسيا لاعبا أساسيا في الساحة الدولية، وان تتوفر لديها الأداة لحماية المصالح الروسية، وبصرف النظر عن تقييم نزاهة هذا السبيل، إلا أن روسيا مضطرة لإيجاد الأدوات لحماية نفوذها ومصالحها، بعدما حاصرتها التحديات من مختلف الجهات.

مركز دراسات الطاقة - روسيا