بالطبع لسنا من القائلين بأن قيام حزب الله بأسر الجنديين الإسرائيليين، تم بعد تشاور مع كل من سوريا وايران او حتى أيا منهما، ذلك لأن حزب الله يضع أجندته وفقا لمصالحه وتوجهاته وليس وفقا لاملاءات خارجية حسبما يتهمه بعض المحللين.

وكان الحزب قد قام من قبل بعمليات مماثلة انتهت إلى مبادلة الأسرى بينه وبين اسرائيل عبر وسطاء دوليين مثل المانيا على وجه التحديد، ولكن كل ذلك لايمنع من ان تكون سوريا حققت مكاسب من جراء ما حدث في لبنان والذي اعتبر من قبل معظم الاسرائيليين هزيمة لبلدهم،

ولا ينكر ذلك سوى الرسميين المفروض ان يخضعوا لعمليات تحقيق داخلية بسبب تقصيرهم وعلى رأسهم رئيس الأركان دان حالوتس الذي اعتبر ان بلاده حققت انتصارا بالنقاط في حربها مع حزب الله بعدما كان تحقق الانتصار بالضربة القاضية في الجولات السابقة ضد الاطراف العربية الأخرى.

وعلى الرغم من ان سوريا لم تكن لها علاقة مباشرة مع حرب لبنان هذه، الا انها حققت مكاسب متعددة على اكثر من صعيد، لعل في مقدمتها انها اعادت رسم الخريطة السياسية اللبنانية من جديد بعد التحولات التي حدثت العامين الماضيين والتي جعلت تيار الرابع عشر من آذار المناهض لسوريا هو الغالب سواء في الشارع ام داخل المؤسسات النيابية اللبنانية.

وهذا الامر فضلا عن مغزاه الرمزي بالنسبة لسوريا التي ظلت تتحكم في التطورات اللبنانية لعدة عقود، فهو في الوقت نفسه يمثل خطورة لها من الناحية الاستراتيجية ذلك ان قوى الرابع عشر من آذار محسوبة على الولايات المتحدة وفقا للقراءة السورية،

وبالتالي فإن تحكمها في الشأن اللبناني يمثل تهديدا لسوريا في وقت لا تخفي دوائر أميركية متعددة انها تسعى إلى التخلص من النظام السوري ولو عبر عملية عسكرية تماثل العملية التي أسقطت النظام البعثي في العراق عام 2003.

وكانت سوريا تعتقد ان رغبة الغرب في تحرير لبنان قد يساعدها في ان تضغط الولايات المتحدة وفرنسا على اسرائيل من اجل تفعيل المسار السوري وهو ما يؤمن لها عودة لمرتفعات الجولان وفقا لصيغة تحفظ لنظامها ماء وجهه، ولكن خروج القوات السورية من لبنان ومن دون مقابل حرمها من هذة الورقة وبالتالي أصبحت عودة الجولان اليها مسألة محل شك.

وما حققه حزب الله والمقاومة اللبنانية في الجنوب أعاد الاعتبار مرة اخرى للقوى التي كانت في السابق محسوبة على سوريا وهو ما يعني انه لو حدثت استحقاقات انتخابية في القريب العاجل فهذه القوى سوف تحصل على الاغلبية على عكس ما حدث في العام الماضي 2005،

وهو ما يعني عودة سوريا إلى التأثير ولو غير المباشر على التطورات الداخلية اللبنانية الامر الذي يؤمن لها عواقب كانت تخشاها في حال دامت سيطرة تيار 14 آذار على الشأن اللبناني. فالمتابع للدوريات الأميركية النافذة ذات الصلة بصناع القرار، ولإنتاج مراكز البحوث الكبرى في الولايات المتحدة يدرك ان عملية اسرائيل في مواجهة حزب الله كانت مقدمة لعملية كبرى يتم بقتضاها اعادة رسم خريطة المنطقة،

وهذا ما أكدته وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس عندما قالت ان هذة العملية سوف تتمخض عن تأسيس شرق أوسط جديد. وما حققه حزب الله من نتائج على الارض اوقفت هذا المشروع الأميركي وهو الامر الذي يعد مكسبا لسوريا يضاف إلى مكاسبها في الداخل اللبناني التي سبق ان اشرنا اليها وهي مكاسب رمزية بالأساس.

ومن يتابع الصحف الاسرائيلية والأميركية وأيضا تصريحات كبار المسؤولين في كل من الولايات المتحدة واسرائيل لن يجد أي عناء في اكتشاف أهم المكاسب التي حققتها سوريا من هذة الحرب على الرغم من انها لم تشارك فيها بصورة مباشرة وفي الوقت نفسه لم تكن حربا بالوكالة نيابة عنها، وهذا المكسب يتمثل في تأكيد هذه الصحف

وهؤلاء المسؤولين على ضرورة تفعيل المسار السوري، بل ووصل الحد ببعض هؤلاء إلى القول بأنه ليس هناك ما يحول دون تقديم تنازلات صغيرة لسوريا من اجل تجفيف منابع حزب الله من جهة وعزلة اقليميا من جهة اخرى

وبالتالي فإن معظم المراقبين لشؤون منطقة الشرق الاوسط لا يستبعدون ان يحدث قريبا تحريك ما في المسار السوري وهذا الأمر يؤكد ان سوريا حققت اهم مكاسبها من هذه الحرب. وكل ذلك يعني ان هذه الحرب اعادت الاعتبار للدور الإقليمي السوري في منطقة الشرق الاوسط بعدما كان يتم التعامل معه باعتباره اصبح دورا هامشيا.

والقراءة السورية للحرب لم تكن بعيدة عن كل ما اشرنا اليه ومن هنا نستطيع فهم الخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري بشار الأسد في أعقاب وقف إطلاق النار والذي شن فيه هجوما على قيادات اقليمية وقوى محلية لبنانية وخرج عن نهج الاعتدال الذي سيطر على الخطاب الرسمي السوري خلال العامين الماضيين،

وعاد إلى لغة التشدد القومية البعثية التي كانت واحدة من ابرز ملامح هذا الخطاب خلال نصف القرن الماضي فقد أدرك أن بلاده أصبحت ذات دور محوري وعليه بالتالي أن يعظم من مكاسبه إلى حدودها القصوى

وفي نفس الوقت كان عليه بالرجوع إلى اللغة المتشددة ان يعيد الثقة إلى المواطنين في بلاده بعدما ساورتهم الشكوك خلال العامين الماضيين حول فشل السياسة الاقليمية لبلدهم حتى ولو ادت هذة اللغة إلى إغضاب حزب الله كما حدث او حتى لو سببت له مشكلات مع فرقاء لبنانيين آخرين.

كاتب مصري