تعود روسيا من جديد إلى سوق السلاح العالمي بقوة وكثافة ترشحها للمنافسة مع السادة الكبار لهذه السوق، خاصة وأن العامل التجاري يلعب دوراً رئيسياً في هذه المنافسة بعكس الزمن السوفييتي الذي كانت تلعب فيه الأيديولوجيات وكسب الحلفاء الدور الأول، وكان السلاح السوفييتي يذهب معظمه بدون مقابل مادي،
أما الآن فإن الاستراتيجية الروسية الجديدة التي أعلنت موسكو عنها مؤخراً تهدف في الأساس لغزو السوق العالمي بتوفير أحدث وأفضل التقنيات العسكرية، وأيضاً التحالف مع دول صديقة لروسيا لدعم المجمع الصناعي الحربي الروسي الجديد ليستطيع منافسة المجمع الصناعي الأميركي الذي يهيمن على أكثر من 60% من السوق العالمي.
الاستراتيجية الروسية الجديدة لتصنيع وتصدير السلاح تعتمد في الأساس على دعم الدولة وإشرافها التام على الشركات الوطنية الروسية المنتجة والمصدرة للسلاح، حيث إن المشترين للسلاح يطلبون دائماً ضمانات من الدولة المنتجة، ويثقون في ضمانات الدول أكثر من الشركات،
وخاصة في العقود والصفقات الكبيرة، ويعتقد البعض أن استراتيجية روسيا الجديدة موجهة في الأساس ضد المجمع الصناعي الحربي الأميركي الذي تملكه احتكارات خاصة لا تخضع لسيطرة الدولة ولا يهمها إلا المزيد من الأرباح، هذه الاحتكارات التي يوجه إليها الكثيرون الاتهامات حول خلق الحروب والنزاعات في كل أنحاء العالم من أجل الترويج لإنتاجها من السلاح،
ولكن موسكو عندما تؤكد على دعم الدولة وإشرافها على صناعة السلاح وتصديره فإنها تؤكد على أنها لن تسعى للربح والمال في سوق السلاح بقدر ما ستسعى إلى تحقيق أهداف تدعم طموحاتها السياسية والاستراتيجية على الساحة الدولية وتضمن الأمن والاستقرار الدوليين.
إن التعاون المشترك بين روسيا ودول مثل الهند والصين في تصنيع السلاح من الممكن أن يوفر كافة الإمكانيات لتأسيس مجمع صناعي حربي عالمي، وهو ما تسعى روسيا لتحقيقه معتمدة على الاستثمارات من البلدين، وسيكون الأمر بالنسبة لكل من الهند والصين أكثر فائدة من جميع النواحي حيث تشكل مشترياتهما من السلاح أكثر من سبعين في المئة من صادرات روسيا،
وربما تكون ماليزيا الشريك الثالث لروسيا في هذا المجال نظراً لما أبدته كوالالمبور من اهتمام كبير بهذا الأمر في الأعوام الثلاثة الماضية، وقد منحت مؤسسة «روس أبورون» الروسية لتصنيع وتصدير السلاح كلاً من الهند والصين تراخيص لتصنيع بعض منتجات السلاح مثل طائرات «سوخوى 27» للصين و«سوخوى 30» للهند.
لا شك أن هذا الأمر لا يروق للبعض وعلى رأسهم واشنطن التي تنتقد بشدة سياسة روسيا في التصنيع المشترك للسلاح مع الدول الأخرى، وقدمت لجنة الدفاع في الكونغرس في تقريرها السنوي ما يفيد أن روسيا تلجأ للتصنيع المشترك مع كبار المستوردين منها كوسيلة لتسويق أسلحة محظور بيعها وفقاً للاتفاقات المبرمة بين موسكو وواشنطن
ووفقاً لمعاهدات الحد من انتشار السلاح، وطالبت اللجنة الكونغرس الأميركي بالتدخل للحيلولة دون خروج السلاح الروسي المحظور للأسواق العالمية، ورداً على هذا الموقف قال المسؤولون في وزارة الدفاع الروسية إن «أي قرار من أي جهة في الولايات المتحدة يحظر بيع أسلحة محددة ليس ملزماً من قريب أو بعيد لروسيا، ونحن غير ملتزمين بغير القرارات والمعاهدات الدولية.
ما أعلن عن الاستراتيجية الروسية الجديدة لتصنيع السلاح لم يتضمن السلاح النووي، والذي تتهم واشنطن روسيا بأنها تخلت عن كل التزاماتها ومعاهداتها مع واشنطن بشأن تصنيعه وتطويره، وتقول واشنطن إن اتفاقي»سولت 1، وسولت 2«بين موسكو وواشنطن حول الحد من إنتاج وانتشار الأسلحة الاستراتيجية قد أصبحا في طي النسيان،
وأن روسيا عادت تطور أسلحتها الاستراتيجية التي نصت الاتفاقيات على حظرها، من جانبها لم تعير موسكو هذا الأمر أي اهتمام، وصرح وزير الدفاع الروسي سيرجي إيفانوف في زيارته الأخيرة لواشنطن عندما واجهه الصحافيون بمسألة تطوير روسيا لترسانتها النووية وتأثيره على علاقاتها مع واشنطن
قال «إن تخلي روسيا عن السلاح النووي لن يؤدي إلى تعميق علاقاتها مع واشنطن وحلف الناتو كما يدعي البعض، والسلاح النووي الروسي لا يشكل أي تهديد بقدر ما يشكل ردعاً استراتيجياً إيجابياً، والاحترام المتبادل بين روسيا وأميركا قام في الأساس علي آداب وقواعد الردع النووي» وفي موسكو كان لوزير الدفاع الروسي بعد ذلك حديث آخر أكثر حدة حول هذه القضية
حيث قال «إن روسيا سوف تضطر لإعادة النظر تماماً في سياستها في استخدام السلاح النووي وفي التزاماتها الدولية في هذا المجال لأن واشنطن نفسها غيرت سياساتها وتخلت عن التزاماتها في استخدام السلاح النووي،
وهذا ما سمعناه وعلمناه مؤخراً من أن واشنطن تنوي توجيه ضربات نووية لقواعد الإرهابيين المشتبه بقيامهم بتصنيع أسلحة دمار شامل»، وحذر إيفانوف من أن هذه السياسة من جانب واشنطن سوف تعيد بالقطع سباق التسلح النووي وشبح الحرب النووية أيضاً.
قادة الجيش الروسي يقولون «نحن لا نستطيع أن نفهم لماذا تحتفظ أميركا في قواعدها العسكرية في أوروبا بنحو مئتي قنبلة نووية، هل هذا من أجل مكافحة الإرهاب وردع الإرهابيين، وهل يمكن تخويف الإرهابيين بالسلاح النووي ؟، وماذا يمكن أن يقال عن قيام واشنطن بتصنيع قنابل نووية صغيرة ذات طاقة ميدانية محدودة لاستخدامها في ساحات المعارك الحالية ؟،
أليس هذا كله يعطينا الحق في روسيا في تطوير أسلحتنا النووية للحفاظ على أمن وطننا، نحن لا نثق في واشنطن، ونعلم أنها تحاول خداعنا دائماً تحت شعارات الشراكة والتعاون المشترك». وكان وزير الدفاع الروسي إيفانوف قد تحدث حول القنابل النووية الجديدة المحتمل استخدامها في الحروب الجارية قائلاً «ليس الخوف من النووي الروسي
بل مما يسمى بالقنابل النووية القذرة التي تصنع من مواد متفجرة ونفايات نووية مستهلكة، وهي قنابل لا تدمر تدميراً كبيراً لكنها تنشر التلوث الإشعاعي في مساحات كبيرة، ولدينا معلومات تفيد بوجود هذه القنابل واستخدامها في الحروب الجارية حالياً في العالم».
جامعة سيبيريا