خلال الأسابيع القليلة الماضية قامت كل من تركيا وإيران بزيادة حشودهما العسكرية على الحدود المشتركة مع كردستان العراق، وتشير الأخبار إلى أن آلاف الجنود ومئات الدبابات وقطع المدفعية قد أخذت مواقعها على طول الحدود المشتركة لهذين البلدين مع الإقليم الكردي فيما يبدو، في ظاهره، تنسيقا بين البلدين ضد قواعد حزب العمال الكردي التركي في كردستان العراق.
لقد قامت القوات التركية منذ مارس الماضي بثلاثة وخمسين عملية عسكرية محدودة في كردستان العراق وقامت القوات الإيرانية في الفترة نفسها بثماني عمليات، ومن الملفت للنظر أن إحدى العمليات قد نُفذت بمشاركة تركية إيرانية. كما صعّدت إيران، في الأيام الأخيرة، من شدة القصف المدفعي لمواقع حدودية في كردستان العراق استمر عدة أيام وأوقع عشرات القتلى والجرحى وأدى إلى تشريد سكان بعض القرى.
وقد تزامن ذلك، مع تصريحات السفير الإيراني في أنقرة التي أبدى فيها دعم بلاده لتركيا في حالة دخول قواتها إلى كردستان العراق لملاحقة عناصر هذا الحزب، ووجه اتهاماته إلى الولايات المتحدة لكونها تكيل بمكيالين،
فهي حسب قوله إذ تساند، بلا تحفظ، دخول القوات الإسرائيلية إلى الجنوب اللبناني للقضاء على حزب الله الذي تشترك مع إسرائيل في اعتباره منظمة إرهابية، تُحذر تركيا من مغبة دخول قواتها إلى كردستان العراق لغرض مشابه، ألا وهو القضاء على قواعد حزب العمال الكردي التركي، الذي تشترك مع تركيا في اعتباره منظمة إرهابية.
فالولايات المتحدة تعارض بشدة دخول القوات التركية إلى أراضي كردستان العراق وذلك تلافياً لحدوث المزيد من الفوضى الضاربة أطنابها في العراق، كما أن ذلك يضعها في حرج شديد أمام أبرز حلفائها في العراق، وهي القيادات الكردية.
إن الرابح الأكبر في حالة دخول القوات التركية إلى كردستان العراق هو إيران، فهذا التدخل سيزيد من متاعب الولايات المتحدة في العراق ويوسع من حجم تورطها، إذ انه لو حصل سينقل حالة الإقليم الكردستاني، المستقر والهادئ أمنياً، إلى حالة الفوضى وعدم الاستقرار، مما يوفر غطاء يسمح لإيران بكسب بعض الوقت لصالح المزيد من التقدم في مشروعها النووي الطموح.
ليس في عمليات تركيا العسكرية، المشار إليها، ما يثير الكثير من التساؤل، فهي ليست جديدة إذ ان تركيا في حالة حرب مع هذا الحزب، وبينهما تاريخ ملطخ بالدماء، وقد سمحت حكومة النظام السابق في العراق، منذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم، للقوات التركية بالتغلغل مسافة معينة في عمق الأراضي العراقية لمطاردة مقاتليه.
إلا ان ما يثير التساؤل هو الموقف الإيراني، فما الذي يدعو إيران إلى التصدي لهذا الحزب، أو بالأحرى لبعض عناصره التي لا تمارس أي نشاط عسكري في العراق حسبما تؤكد ذلك إدارة إقليم كردستان العراق، لاسيما وأن هذا الحزب لا يهدد أمن إيران.
لقد حرصت القيادات الكردية العراقية على إبعاد نفسها عن أنشطة حزب العمال الكردي التركي، فحين انتقلت بعض قواعده إلى العراق لم يُسمح لها بممارسة أعمال عسكرية بل اعتُبروا لاجئين سياسيين يقومون بأنشطة مدنية لا تتعارض مع الأعراف والقوانين، ورغم ذلك فقد أصدرت الحكومة العراقية مؤخراً قراراً بإغلاق مكاتبه في العاصمة وفي بقية المدن استجابة لطلب تركيا.
لا يمكن قراءة هذه الأحداث إلا في الإطار الأوسع، في ضوء ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، فلكل من تركيا وإيران مصالح خاصة، فموقف إيران ينطلق من محورين:
أولهما الحرص على سلامة برنامجها النووي، فهي تغازل تركيا آملة في تحييد موقفها فيما يتعلق ببرنامجها النووي وذلك عن طريق إغرائها بعدم تقديم أية تسهيلات سواء أكانت برية أم جوية للولايات المتحدة تساعدها في النيل من البنية التحتية لبرنامجها، وذلك أسوة بما جرى عام 2003 حين رفض البرلمان التركي السماح للحكومة التركية بمنح الولايات المتحدة حق استخدام الأراضي التركية لمرور قواتها عند احتلال العراق.
وثانيهما التوجس مما يجري في الساحة العراقية، وهو موقف تشترك فيه مع تركيا، ومن المسارات المحتملة للعملية السياسية القلقة. فالنمو الاقتصادي الملحوظ في إقليم كردستان العراق والوضع الدستوري الذي أصبح لأكراد العراق فيه إقليماً فيدرالياً ضمن الدولة العراقية وما يترتب على ذلك من حقوق ترقى إلى درجة السيادة التامة، يُزعج الدول التي يشكل الأكراد فيها نسبة سكانية لا يستهان بها،
فالوضع المتميز لأكراد العراق بين أقرانهم في دول المنطقة الأخرى عامل إحراج كبير لهذه الدول. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فإن سوء الأوضاع في العراق التي تنذر بالتمزق والتقسيم قد تجلب معها في أتون الصراعات القائمة دولة كردية منفصلة سواء أكان ذلك بتخطيط من القيادات الكردية
أم أمرا واقعا لا مفر منه يفرض نفسه في احدى مراحل الصراع الطائفي المتصاعد في العراق والذي ليس من مصلحة الأكراد الانزلاق إليه. عند ذاك يمكن أن نفهم أن الدولتين الكبيرتين المجاورتين للعراق تجدان نفسيهما في وضع يمكن فيه منع نشوء هذه الدولة عن طريق الاحتلال وتدمير المؤسسات الكردية القائمة.
ورغم التقارب في المواقف بين تركيا وإيران وتوجيه مدافع الطرفين نحو هدف واحد، إلا إن هنالك بوادر قد تُقلقُ إيران فيما يتعلق بالموقف التركي من عمليات عسكرية محتملة تقوم بها الولايات المتحدة لإجهاض.
المشروع النووي الإيراني منها:
1ـ توقيع الولايات المتحدة وتركيا على اتفاق شراكة في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تروجه الولايات المتحدة مما يجعل تركيا في المعسكر المضاد لإيران التي تسعى لعرقلة المشروع.
2ـ قيام تركيا مؤخراً بإجبار طائرتين مدنيتين إيرانيتين متوجهتين إلى سوريا على الهبوط في مطار ديار بكر التركي وتعريضهما للتفتيش انطلاقا من الرغبة في الحد من تسرب السلاح الإيراني إلى سوريا أو حزب الله.
3ـ حرص تركيا على إرضاء الترويكا الأوروبية، المتنفذة في الاتحاد الأوروبي، والتي وقفت مواقف صلبة إزاء التعنت والإصرار الإيراني على الاحتفاظ ببرنامجه النووي، مما يساعد تركيا على إضافة بعض النقاط إلى رصيدها أمام استحقاقات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي الذي طال انتظاره.
ليس لتركيا الكثير الذي تخسره في حالة سماحها ببعض التسهيلات للقوات الأميركية لضرب المشروع النووي الإيراني، فالأتراك أنفسهم يشعرون بالقلق من أبعاد هذا المشروع، كما أن علاقات تركيا مع إيران لم تكن دافئة في يوم ما، فهما لم يرتبطا،
رغم جيرتهما، بمعاهدات تفاهم على مدى القرن المنصرم سوى في اتفاقية سعد أباد عام 1937 التي ضمت إلى جانبهما كلا من بريطانيا والعراق، واتفاقية المعاهدة المركزية عام 1955 الذي ضمت أيضاً بريطانيا والعراق وباكستان، وفي كلتا الحالتين كان ذلك الانضمام مُتأت بفعل ضغوطات من قبل قوى عظمى لتنفيذ مآرب معينة.
كما كانت تركيا، وعلى أمد طويل، موضع نقد إيران فيما يتعلق بعلاقاتها مع إسرائيل وخاصة برنامج التعاون العسكري بين الدولتين. كما أنهما أقرب إلى الدولتين المتنافستين منهما إلى الدولتين الصديقتين، فهما متنافستان على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز وفي أواسط آسيا.
وفي حالة قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضد إيران فليس أمام تركيا من خيارات سوى المشاركة أو في أضعف الحالات عدم الاعتراض.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae