بعد مضي عشرة أيام تقريبا على وقف العمليات الحربية في لبنان، يمكن القول إن العدوان «الصهيوني» على الجنوب اللبناني قد انتهى، أو يمكن أن يُعدّ في عداد الماضي المنتهي، رغم المحاولات «الإسرائيلية» لتنغيص فرحتنا بذلك،
ولكننا رغم هذا لا نستطيع أن نمنع سؤالا يقف على أطراف الشفاه عن الانطلاق والتحرر منها، وهو السؤال عن هذه المآسي والحروب التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من واقعنا.. أما آن لها أن تنتهي؟ وأما آن لأطفالنا الموجودين، وغيرهم الذين لم يروا النور بعد، الذين يمثلون الأجيال القادمة في معظم البلدان العربية والإسلامية،
أما آن لكل هؤلاء أن يعيشوا في سلام وأمان نعده لهم لينعموا به بعد أن حُرمنا نحن من التنعم به؟ إننا نحمد الله دائما لأنه أسبغ علينا من فضله وأنعم على بلدنا بالأمن والأمان والسلام، ومنذ تفتحت عيوننا على نور هذا العالم ونحن ننعم بهذه النعمة التي تُحرم منها كثير من الشعوب الأخرى، ولكن الذي وهبنا هذه النعمة ـ نعمة الأمن والسلم ـ أعطانا أيضا قلوبا تفيض رقة،
وتتعذب لمرأى إخوة لنا يكتوون بنيران العدو، ويعانون الويل ليلاً ونهارا، دون أي ذنب اقترفوه، ويجعلنا نعيش معهم أجواء الحرب التي يعيشونها، ونألم لألمهم، ونبكي لبكائهم، وندعو الله أن يفرج كربهم وأن يخفف عنهم، وأن يحرر بلادهم التي هي بلادنا نحن أيضا.
إلا أن هذا كله لا يمنع السؤال من أن يتخذ له حيزا في قلوبنا وأفئدتنا وعلى شفاهنا، فإلى متى سيظل الجرح العربي نازفا، ومتى سيتوقف نزيفه ويندمل هذا الجرح المزمن؟ إننا لا نكاد نفرغ من مصاب -ونفرغ كلمة واسعة وفضفاضة، وتحتمل عدة أوجه: كأن تنتهي الحرب،
أو أن تستمر إلى أن تصبح أمرا واقعا ومسلما به على أمل أن تظهر معجزة ما لتنهيها، أو غير ذلك من الأوجه المحتملة- ولكننا مع هذا لا نفرغ من مصاب إلا ونجد أنفسنا في مواجهة آخر، ولا تكاد غمة تنقشع عن سمائنا إلا وقد تبعتها أخرى غالبا ما تكون أكبر منها، لتجعلنا في حالة التوتر والترقب التي كنا فيها ذاتها، راجين أن تنقشع قريبا، ونحن نشعر في قرارة أنفسنا أن ذلك لن يحدث قريبا على الأقل.
لا يزال الجرح الفلسطيني داميا ومؤلما ومخزيا منذ عقود، وإن المرء ليشعر بالعار والخزي حين يجد أن هذا العضو من الجسد العربي الإسلامي يرزح تحت نيران العدو الأول للعرب والمسلمين دون أن يحدث أي تطور حقيقي وملموس في قضيته.
كما لا يزال الدم العراقي مسفوحا منذ سنوات، لا يجد من يوقف جريانه، ولا من يتحرك تحركا فعليا من أجله، لنبقى ما بين رجاء ودعاء، وترقب وتوتر، نلعق جراحنا تارة، ونرفع أكفنا بالدعاء تارة أخرى، ولا شيء أكثر من ذلك.
أما الجرح اللبناني الذي بدأ بالنزيف في يوم ما من أيام هذا الصيف اللاهب، فإن نزيفه ولله الحمد قد توقف بعد أن فقد الكثير والكثير، ولكن الأهم أن لبنان نفسه قد بقي، بشموخه، وبوحدة أبنائه، وبصمود مقاومته.
وليس لنا أن ننسى مناطق أخرى من الجسد العربي الإسلامي التي عانت وبعضها لا يزال يعاني من الظلم والعدوان بأشكالهما المختلفة، والتي تؤدي في النهاية إلى نتيجة واحدة تتشابه من منطقة إلى أخرى، وهي خسارة الأرواح، وتدمير البلاد، وتشريد الشعوب.
ولا يبدو أن هذه السلسلة من الجراح المتتالية التي تحيط بنا ستنتهي قريبا، فالولايات المتحدة الأميركية بدأت منذ مدة الالتفات إلى البرنامج النووي في إيران، الجارة التي لا تفصلنا عنها سوى مياه الخليج العربي، دون أن تتردد في مخاطبتها بمستويات لغوية مختلفة تراوحت بين الترغيب والترهيب، مستخدمة أسلوب العصا حينا والجزرة حينا آخر وإن كان على قلة.
وهذا مؤشر إلى أن الولايات المتحدة تخطط لفتح جبهة حرب جديدة، أو تأمل ذلك على الأقل، وتبدو الجمهورية الإيرانية في موقف الخصم العنيد والممتنع عن الإذعان والاستسلام لرغبات أقوى دولة في العالم على جميع المستويات.
وكذلك الموقف بين الولايات المتحدة وسوريا، إذ تحاول الأولى أن تجعل من الثانية جزءا مظلما في خارطة العالم، وأن تحولها إلى منطقة منبوذة فاقدة لحلقات الاتصال والتواصل مع العالم من حولها. وعلى الرغم من كل ما يُقال عن الموقف السوري،
وقدرته على الصمود والمواجهة في حال استقر رأي اللعبة الحربية الأميركية على أن تكون هي محطته التالية، إلا أن المراقب لما يحدث منذ فترة ليست يسيرة لا يملك إلا الاستجابة للمخاوف التي تجيش في الصدر عن احتمالية أن ينزف الجرح في موضع آخر من الجسد العربي الإسلامي.
إننا في هذا الوقت، وفي هذا العصر الذي يُدَّعى فيه أننا وصلنا إلى أقصى ما يمكن أن تصله الحضارة والمدنية، نعيش حروبا لم تشهد البشرية مثلها في كثرتها وتزامنيتها، ولا يكف مدعو الحضارة والمدنية عن التبجح ـ على الرغم من ذلك ـ بأنهم هم الذين ارتقوا بالعالم وانتشلوه من حضيض تخلفه، مع أنهم مصدر الحروب، والمشعلون لفتيلها، والمسوغون لشنّها حتى بالأكاذيب إن لزم الأمر!
وإذا كانت الحرب لا تقوم إلا بين طرفين، أحدهما المعتدي والآخر المعتدى عليه، فإنهم قد اختاروا دائما أن يكونوا في موضع المعتدي، ونحن ـ العرب والمسلمين ـ في موضع المعتدى عليه، ناسين ـ أو متناسين ـ حضارتهم ومدنيتهم التي لا تلتقي مع هذه الروح الهمجية المتعطشة للدماء، وهي دائما، أو لنقل غالبا، دماء عربية ومسلمة، لأنها الأرخص إن لم تكن عديمة القيمة، في نظرهم.
إن من حق كل فرد عربي ومسلم أن يتساءل: إلى متى ستظل جراحنا نازفة؟ ومتى ستتوقف أنهار دمائنا عن الجريان أمامنا وكأنها أصبحت عديمة القيمة فعلاً؟ وهل يُعقَل أن تأتي أجيال وتغيب أجيال وبعض قضايانا لا تزال معلقة، وبعض أنهار دمائنا لا تزال جارية على حالها منذ عقود؟ .
جامعة الإمارات
sunono@yahoo.com