الحرب ليست حدثاً عابراً. فأثناء الإعداد والتحفز لها وكذا في معمعتها ثم بعد انقشاع غبارها، تتفاعل معطيات وتجرى تحولات بقدر أو آخر من العمق في حياة الشعوب والدول التي وقعت في أحابيلها.. تتغير خرائط فكرية وجدانية وأحيانا تتبدل معالم جغرافية منظورة؛

تثبت أو تهتز أو تستحدث قناعات ومفاهيم؛ تصطك إرادات فتقوى أو تثلم أو تسقط في مواجهة بعضها البعض؛ تظهر أو تضعف أو تختفي حقائق وصور ومشاهد على حساب أخرى؛ تصدق أو تفقد صدقيتها وعود وعهود وخطابات سياسية وغير سياسية؛ تتفجر أو تغور ملكات وطاقات وإمكانات وقيم؛ قد تطل وتبرز احن وفتن ومواجد ومواجع كانت دفينة أو مخبوءة تحت رقائق من ثقافة زائفة ودعايات فجة؛ تستبدل موازين قوى ومكانات وأدوار بموازين ومكانات مغايرة.

الحرب تفعل هذا وغيره كثير.. حتى انه من النادر والمدهش حقا، أن تعود أوضاع مجتمع أو منطقة أو أحيانا العالم بأسره إلى رتابتها وما كانت عليه من قبل إذا ما أصابتها رياح الحرب. الأقوام الذين تمر عليهم الحرب مر سحاب الصيف فلا تمسهم بقوة ليسوا من طينة الأحياء أو الذين يستحقون الحياة.

يقينا لن تكون الحرب الإسرائيلية العربية السادسة على أرض لبنان بدعا من هذه السنن والتعميمات. ففي غمرتها وعلى لهيبها اصطدمت إرادات بإرادات وأفكار بأفكار وتواريخ بتواريخ ورؤى للحاضر والمستقبل برؤى بديلة معاكسة.. بل إنها بشهادة الذين أوقدوا نارها، ما قامت أصلا إلا لإحداث تغييرات وعمليات هدم وبناء.. فالإسرائيليون قالوا إنها ستعيد رسم المعادلات من حولهم، فيما تبجح الأميركيون الذين ظاهروهم عليها بأنها تعلن عن مخاض شرق أوسط جديد!.

نطرح ذلك ونستحضر إلى الأذهان كيف أن عمليات الهيكلة في الفضاءات العربية على مختلف الصعد؛ إنما جاءت في معظمها مواكبة أو تالية لحروب كبرى أو محدودة داخل هذه الفضاءات أو خارجها. لنتذكر، على سبيل النمذجة المقتضبة: انقلاب أحوال العالم العربي و خرائطه الاجتماعية والسياسية والجيوستراتيجية والفكرية الثقافية غداة الحرب العالمية الأولى (الاستعمار والتجزئة)،

والحرب العالمية الثانية (استزراع إسرائيل وتغييب فلسطين وثورات التحرير والإنقلابات العسكرية..)، وحرب 1956 (النهوض القومي وإطلالة الحقيقة السياسية الفلسطينية مجددا..)، وحرب 1967 (انكسار المشروع القومي واحتلال بقية فلسطين مع سيناء والجولان..)،

وحرب 1973 (الإشراقة المحدودة للنظام العربي..)، وحرب 1982 (أفول عهد الثورة الفلسطينية في الخارج وأول احتلال إسرائيلي لعاصمة عربية..) هذا دون الاستطراد إلى ما لحق بالحياة العربية من تغيرات ظاهرة وباطنة بفعل حروب الخليج الثلاثة.

واللافت أن القاسم المشترك الأعظم في هذه الحروب، اتصالها العضوي بقضية إنشاء وإقرار المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين ومقاومته فلسطينياً وعربياً.. حتى ليمكن الاعتقاد بلا مغالاة إننا إزاء حرب صهيونية عربية طويلة ممتدة واحدة، لكنها تدور على جولات.

وما يميز الجولة الأخيرة، السادسة، انها لم تنشب بين الدولة الصهيونية والدول العربية جزئيا أو كليا، وإنما بين حزب وطني عربي عقائدي واحد في دولة عربية واحدة وبين إسرائيل. ومع ذلك فقد تكون أكثر الجولات إشراقا بالنسبة للجانب العربي وأكثرها إيلاما للدولة الصهيونية وتأثيرا على سيرورتها.

لا يعنينا هنا الوقوف عند تفصيلات المنازلة العسكرية التي أوصلتنا مع معظم المتابعين إلى هذه النتيجة العامة، فذلك أمر بات مشهودًا وسيكون محلا لمدارسات كثيرة لاحقا.. الذي يهمنا في هذا المقام التنبيه إلى حكمة الانشغال بالمغازى والدلالات النوعية التي انطوت عليها المنازلة ،

علما بأن بعض هذه الدلالات ستتكشف في آجال تالية، وهذا دأب الحروب الفارقة التي يطول الحمل ببعض انعكاساتها وأصدائها إلى حين.نود القول بكلام آخر، بأن هذه الحرب تبدو بمجرياتها وحيثياتها لحظة مضيئة فارقة في غمرة الصراع الصهيوني العربي.

وهذا يحتم على أبناء الأمة العربية، لا سيما أهل الذكر والحل والعقد الفكري والحركي منهم، التعلق بها وإشباعها بحثا ودرسا بغية تحويلها إليس لحظة ممتدة زتعيش معهم ومع ذريتهم طويلا.. تماما كما عاشت معنا ومعهم لحظات نكبة 1948 ونكسة 1967 إلى يومنا هذا.

بهذه المنهجية العقلانية التي لا يعيبها أن تختلط بشيء من العاطفة، يمكن لشهر اشراقات الحرب السادسة أن يصبح دهرا وليس مجرد بارقة سريعة في ليلة معتمة. ضمن العناوين التي تستحق التأمل مليا في هذا الإطار: صورة إسرائيل النمطية عموما ككيان قيل كثيرا إنه منيع معجز يستحيل النيل منه،

ثم مفردات هذه الصورة ومكوناتها التفصيلية، الجيش ودور العسكر والمستوطنين والقادة السياسيين وصناع القرار والنخب الحزبية والطبقات الاجتماعية.. السؤال هنا يتعلق بحقيقة هذه الصورة بشقيها العام والمفصل ومكوناتها قبل الحرب وما طرأ أو يمكن أن يطرأ عليها لاحقاً.

ويتصل بهذه الموضوعية، استطلاع التحولات التي تنتظر وظيفة إسرائيل بالنسبة لعالم الغرب واليهودية العالمية.. ما الذي سيبقى من هذه الوظيفة الموصولة بالدنيا والدين في الأجلين المنظور والبعيد ؟ أين ميزات إسرائيل ،حتى على الصعيد العسكري،التي تدعو لتقعيدها مقعد الهيمنة والسيادة والريادة على عالم الشرق الأوسط بقضه وقضيضه ؟!

وقبل ذلك وبعده، أين الأحقية مجددا في زعم الصهيونية بأن إسرائيل هي الملاذ الآمن ليهود العالم ؟! ألا تثبت هذه الحرب بشكل قاطع هذه المرة زيف هذا الزعم على طول الخط ؟ يستطيع الخطاب العربي المسفه تقليديا لأحلام الأسطورة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني اكتساب مزيد من الصدقية بناء على مجريات الحرب السادسة.

فلطالما أكد هذا الخطاب أن نضال يهود العالم في مجتمعاتهم ومواطنهم الأصلية أجدى لحيواتهم وأحفظ لأمنهم من الانقياد لمشروع يستهدف تحويلهم إلى وقود لحروب طغيانية باغية في قلب الرحاب العربية. هذا قليل مما يستدعي النقاش والتداول في أحاديث الأيام التالية لهذه الجولة..

وسوف تؤشر إلى جدية أكثر من غيرها، تلك المداولات والحوارات التي تتطرق إلى القضايا ذات الطبيعة الاستراتيجية بالنسبة لمستقبل إسرائيل الدولة ،مكانتها ودورها وطبيعة علاقاتها بمحيطيها الاقليمى والدولي والهجرة اليهودية إليها..ومنها !.

وبالطبع ثمة ما هو بحاجة إلى مقاربة مماثلة على الجانب العربي ذاته باعتبار أن الحرب تفعل فعلها في كل الاتجاهات.. ولهذا مقام آخر قد نعود إليه.

كاتب وأكاديمي فلسطيني